حين كان العالم يتحدث عن القانون الدولي، والعدالة، وحقوق الإنسان، كانت أجهزة الاستخبارات الغربية تخيط خيوط مؤامرة صامتة، لا تترك أثرًا سوى دماءً فلسطينية على أرصفة باريس، وأبواب منازل في روما، وأجساد محترقة في أثينا.
الوثائق التي كُشف عنها مؤخرًا من أرشيف سويسرا، ونشرتها صحيفة الغارديان البريطانية، لا تفضح فقط الموساد الإسرائيلي، بل تضع الغرب بأكمله في قفص الاتهام. الاسم الرمزي للعملية: كيلوواط. الزمان: بدايات السبعينيات. المهمة: تصفية المقاومة الفلسطينية في الشتات، بموافقة وتنسيق ومشاركة أجهزة مخابرات كبرى، من بينها الأميركية والبريطانية والفرنسية وحتى الألمانية والسويسرية.
الموساد لم يكن وحده.. بل قاد تحالفاً للاغتيالات
ما كان يُنظر إليه لعقود كعمليات “سرية” للموساد، تبيّن الآن أنه لم يكن عملًا منفردًا، بل نتيجة تعاون داخل شبكة دولية أنشئت خصيصًا لهذا الغرض. شبكة “كيلوواط”، التي بدأت عام 1971، ضمّت 18 جهازًا استخباراتيًا من دول تصف نفسها بـ”العالم الحر”.
كان الدور الإسرائيلي هو التنفيذ، بينما تكفّلت الوكالات الغربية بجمع المعلومات، تتبّع الفلسطينيين، مراقبة هواتفهم، التنصت على رسائلهم، ورصد أماكن إقامتهم وتنقلاتهم. كل ذلك كان يُسلّم “على طبق استخباراتي من ذهب” إلى وحدة الاغتيالات الإسرائيلية.
وائل زعيتر، الشاعر والمثقف الفلسطيني، قُتل في روما بـ12 رصاصة أمام شقته عام 1972. محمود الهمشري، ممثل منظمة التحرير في باريس، فجّروا هاتفه الأرضي في منزله. باسل الكبيسي، الأكاديمي الفلسطيني في بيروت، أُطلق عليه الرصاص في وضح النهار. هؤلاء لم يكونوا جنودًا في ميدان معركة، بل ناشطين سياسيين ومثقفين وممثلين عن القضية الفلسطينية في العالم. لكن بالنسبة لشبكة “كيلوواط”، كانوا أهدافًا مشروعة باسم “الأمن القومي الغربي”.
ميونيخ.. الذريعة الذهبية
شكلت عملية ميونيخ عام 1972، حين اقتحم مقاتلو “أيلول الأسود” مقر الرياضيين الإسرائيليين في الأولمبياد، الذريعة الكبرى لشن حرب انتقامية عالمية ضد الفلسطينيين. لكن ما لم يُكشف سابقًا هو أن هذه الحرب لم تكن إسرائيلية فقط. الغرب كلّه كان جزءًا منها، لا بصفته طرفًا محايدًا، بل شريكًا في القرار والمعلومة والتنفيذ.
في ظلال هذه العملية، أطلقت إسرائيل حملة “غضب الرب”، التي استمرت لسنوات، اغتالت خلالها عشرات الكوادر الفلسطينية. ما لم يُكشف في كتب التاريخ الرسمي، هو أن الغرف الخلفية في باريس وبون ولندن وجنيف وواشنطن، كانت تتبادل أسماء “الأهداف”، وتنسق مع تل أبيب تنفيذًا بعد تنفيذ.
من النفاق إلى الإرهاب المنظم
تقول الوثائق إن هذه العمليات لم تكن تحت أي رقابة برلمانية أو قضائية. لم تُعرض على هيئات تشريعية، ولا خضعت لأي مساءلة ديمقراطية. كانت قرارات قتل تُتخذ بصمت، في دهاليز الأجهزة الأمنية، وتُنفذ في قلب مدن يُفترض أنها تحترم الحياة والكرامة الإنسانية.
وهكذا، يظهر مجددًا وجه النفاق الغربي: يدينون ما يسمونه “الإرهاب”، لكنهم يرعونه متى كان الضحية فلسطينيًا، والمجرم إسرائيليًا.
الديمقراطيات الغربية التي تتشدق بحماية الحقوق، كانت نفسها تنتهك حق الإنسان الفلسطيني في الحياة. كانت تغضّ الطرف عن الاغتيالات، بل تشارك فيها، طالما أن الدم المهدور ليس أوروبيًا، بل من أناس تُرِكوا بلا دولة، ولا حماية، ولا حصانة.
التاريخ لا يُمحى.. ولو بالطمس
شبكة “كيلوواط” كانت سرًا مدفونًا لعقود، لم تُذكر في المناهج، ولم تُطرح في برلمانات أوروبا، ولم تُناقش في إعلامها الحر. لكن التاريخ، كما العظام في القبور الجماعية، لا يبقى مختفيًا إلى الأبد.
اليوم، وقد خرجت هذه الوثائق إلى النور، فإنها لا تُدين إسرائيل فحسب، بل تضع الغرب أمام مرآته الأخلاقية المهشّمة. دول تدّعي سيادة القانون، لكنها مارست القتل خارج القانون. تدّعي رفض الاغتيال السياسي، لكنها منحته غطاءها وتواطؤها وسكوتها.
شبكة “كيلوواط” ليست مجرد قصة تجسس، بل هي جريمة مكتملة الأركان. جريمة تواطأ فيها العالم المتحضر ضد مناضلي الحرية.
فمن سيحاكم القتلة؟ ومن سيعتذر للضحايا؟
أم أن العدالة تظل، كما كانت دائمًا، حكرًا على الأقوياء.. ورفاهية لا يملكها الفلسطيني؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار