ذات زمن، كانت القاهرة تُسمى “قلب العروبة النابض”، وكانت العواصم تنظر إلى ما تقوله مصر لتبني عليه مواقفها، وكانت الرهانات الدولية لا تُحسم إلا بموافقتها أو رضاها. أما اليوم، فإن مشهد “قمة الرياض” الأخيرة – بكل ما حملته من رمزية سياسية ومضامين استراتيجية – يكاد يكون إعلانًا رسميًا عن خروج مصر من معادلة التأثير، بل من حسابات الحلفاء الذين صنعت معهم تفاهمات كبرى لعقد كامل.
غياب لافت.. وإقصاء غير معلن
حين جلس دونالد ترامب مجددًا إلى طاولة الخليج، إلى جانب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وقادة إقليميين من طهران إلى أنقرة، لم يكن عبد الفتاح السيسي بين الحاضرين، ولا حتى بين المعلقين على ما يجري. لم تُوجه له الدعوة، ولم يأتِ ذكر لمصر، لا بصفتها فاعلاً ولا حتى كشريك “شكلي” كما اعتادت بعض المحافل.
هذا الغياب لم يكن غفلة بروتوكولية، بل رسالة سياسية واضحة: من لا يملك أوراقًا، لا مكان له على الطاولة.
من الشريك المفضل إلى الحليف غير المرئي
قبل سنوات فقط، كانت العواصم الخليجية تتسابق لضمان رضا القاهرة، تغدق عليها المساعدات، وتغطي ضعفها الاقتصادي بصفقات سياسية وإعلامية. كان السيسي يُقدَّم باعتباره “صمام أمان” في وجه الإخوان، و”رجل المرحلة” في مواجهة ما سُمي بالإسلام السياسي، بل حاز لقب “الرجل القوي” في عواصم القرار الغربي والخليجي على السواء.
لكن اليوم، لم يعد النظام المصري يمثّل أكثر من كلفة سياسية واقتصادية متزايدة. اقتصاده ينهار تحت وطأة الديون، مجتمعه يغلي تحت السطح، ودوره في الملفات الإقليمية إما رمزي أو مغيّب تمامًا.
تحولات الإقليم.. ومصر المتأخرة دائمًا
المنطقة تغيّرت.
سوريا تعود إلى الحضن العربي بعد سنوات من العزلة، بوساطة خليجية.
تركيا تطبع علاقاتها مع الجميع، بما في ذلك الرياض وتل أبيب.
إيران تعقد صفقات تبريد مع الخليج بعد صراع طويل.
إثيوبيا تُعدّل ميزان القوى في شرق أفريقيا.
وإسرائيل تواصل إعادة رسم خارطة التطبيع بعيدًا عن القاهرة.
وفي خضم هذه التحولات، أين مصر؟
لم تشارك في إعادة الإعمار في سوريا، ولم تكن طرفًا فاعلًا في تقاربات الخليج مع إيران وتركيا، ولم تعد تُستشار في ملف ليبيا، ولا في ترتيبات البحر الأحمر. حتى أزمة سد النهضة، التي تهدد أمنها المائي، لم تنجح فيها القاهرة في حشد دعم دولي حقيقي، ولا حتى في الحفاظ على أوراقها الإقليمية.
السيسي.. حاكم البنية التحتية لا السياسة
الخطابات الرسمية للنظام المصري باتت تدور حول “الكباري”، “العاصمة الإدارية”، و”الرد على الشائعات”. لغة تليق بإدارة مشاريع لا قيادة دول. وبينما يعيد الآخرون تموضعهم إقليميًا، ينشغل الإعلام الرسمي بتلميع الرئيس من داخل صندوق ضيق، لا يُرى من خارجه شيء.
المشكلة لم تعد فقط في الغياب عن الملفات، بل في الغياب عن الرؤية، عن المبادرة، عن التخطيط لمكانة مصر كدولة كبرى. حتى دورها في الجامعة العربية تراجع، وأصبحت قراراتها تُصاغ في الرياض وأبوظبي، وتُبلَّغ إلى القاهرة للتوقيع.
الخليج يعيد الحسابات
محمد بن سلمان لا يُخفي أن مصالحه فوق كل اعتبار. وحين يرى أن القاهرة باتت عاجزة عن التأثير، وتستنزف الدعم بلا مقابل حقيقي، فإن إعادة تقييم العلاقة تصبح مسألة وقت. بل إن هناك في دوائر القرار الخليجي من يرى أن دعم نظام مأزوم اقتصاديًا، ومحدود النفوذ إقليميًا، أصبح رهانًا خاسرًا.
أما الإمارات، التي كانت لفترة طويلة أحد أهم الداعمين لنظام السيسي، فقد توجهت نحو شركاء أكثر مرونة وتأثيرًا، كإسرائيل وتركيا وإيران، بينما تُبقي على علاقتها بمصر كـ”حالة رمزية” لا أكثر.
هل خرجت مصر من التاريخ؟
الخطير في هذا السياق ليس فقط غياب مصر عن المشهد، بل قبول النظام بهذا الغياب، بل وتصويره كنوع من “الاستقلال” أو “الهدوء الاستراتيجي”. لكن الحقيقة أن من لا يحضر الطاولة، يُؤكل على المائدة.
ولأن النظام المصري لا يمتلك رؤية خارج احتياجاته التمويلية، فقد تحوّل من فاعل إلى تابع، ومن مؤثر إلى منتظر للدعم.
النتيجة؟
مصر، التي كانت تصنع القمم وتوجه السياسات، أصبحت غائبة حتى عن البيانات الختامية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار