في مكان يُفترض أن يكون خاضعًا للقانون والنظام، تحوّلت زنزانة داخل سجن Wien-Josefstadt الشهير في فيينا إلى مسرح لانتهاك جسدي ونفسي يُذكّرنا بأن خلف القضبان قد لا تسكن العدالة، بل قد تتفجر وحشية لا تردعها أسوار ولا كاميرات.
خمسة أعوام خلف القضبان للجاني.. لكن الضحية يبقى في زنزانة العار
أصدر القضاء النمساوي حكمًا بالسجن خمس سنوات بحق رجل يبلغ من العمر 49 عامًا، أُدين بتعذيب وتشويه زميله في الزنزانة بطريقة وحشية. الحكم صدر عن محكمة الولاية في فيينا، بعد أن أثبتت التحقيقات أن المتهم لم يكتفِ بالضرب، بل تجاوز حدود الإنسانية عندما ثبت الضحية على كرسي بمساعدة سجين ثالث، وحلق رأسه، ثم وشم كتفه باستخدام مسمار مغلف بالسخام والشامبو، ليشكل صورة مهينة لا تُنسى.
الضحية: “لم أعد أخلع قميصي حتى أثناء الاستحمام”
كلمات الضحية، الشاب البالغ من العمر 26 عامًا، اختصرت المأساة التي عاشها. قال أمام القاضي: “ثبتني على الكرسي، لم تكن لدي أي فرصة للدفاع عن نفسي”. الألم الجسدي كان البداية، أما العار الذي يحمله على كتفه، فهو العقوبة التي لم يستحقها. في كل استحمام، في كل نظرة داخل السجن، يتكرر الجرح.
بين العنف والإفلات من العقاب
الجريمة وقعت في أكتوبر 2023، داخل زنزانة ضمّت أربعة سجناء من الجنسية المجرية. الجاني، الغاضب بسبب اتهام غير مؤكد بإقامة الضحية علاقة مع زوجته، استخدم قوته البدنية ونفوذه داخل الزنزانة لفرض “عدالته” الخاصة. الأخطر أن اثنين من شركائه في الجريمة، وبينهم الفاعل الأساسي، تمكّنا من مغادرة البلاد بعد الحادثة، وما زالا في حالة فرار.
الوشم الإجباري.. رمز للسيطرة والدكتاتورية داخل الزنازين
هذه الحادثة ليست مجرد اعتداء جسدي. إنها تذكير صادم بأن السجون قد تتحول إلى ساحة للسلطة الفردية والقهر، حين يغيب الرقابة وتتهاوى منظومة الحماية. فالوشم على جسد السجين ليس إلا توقيعًا بالعنف، علامة دائمة على إذلال يُمارَس باسم الهيمنة لا القانون.
المحكمة لم تُصدّق رواية “الموافقة الطوعية”
رغم محاولة المتهم إنكار التهمة والادعاء بأن الضحية وافق على الوشم، رفضت المحكمة هذه الرواية، ووصفت الجريمة بأنها “بالغة الدناءة وتتطلب عقوبة رادعة”. وبالفعل، صدر الحكم بالسجن غير المشروط خمس سنوات، إلا أن السؤال يبقى: هل تكفي العقوبة لإصلاح ما تم ارتكابه؟ وهل يمكن حقًا إعادة الكرامة لمن سُلبت داخل زنزانة تحت سلطة الدولة؟
حين تصبح الزنزانة مملكة لرغبة المعتدي
حادثة كهذه تكشف عن خلل خطير في منظومة العدالة السجنية، وتطرح أسئلة ملحّة: كيف مرت مثل هذه الجريمة داخل مؤسسة يُفترض أنها مؤمنة؟ أين كانت الرقابة؟ ولماذا غادر الجناة البلاد بكل سهولة؟ حين تتحول الزنزانة إلى مساحة بلا قانون، يصبح كل سجين فيها مرشحًا لأن يكون ضحية أو جلادًا.
لا إصلاح بلا عدالة وراء القضبان
إذا كانت السجون وُجدت لإعادة تأهيل الجناة، فإن الحادثة تفضح واقعًا مختلفًا: عالمًا موازياً تسوده القوة والانتقام والعنف الممنهج. ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي ما لم تترافق الأحكام القضائية مع إصلاح داخلي حقيقي يضمن كرامة كل فرد، حتى وإن كان سجينًا.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار