لم تعد حرب غزة محصورة داخل حدود القطاع الصغير المحاصر، فقد عبرت أصداؤها القارات، وها هي تصل إلى قلب واشنطن. الهجوم الذي أودى بحياة دبلوماسيين إسرائيليين في العاصمة الأمريكية لم يكن مجرد حادث معزول، بل بحسب قادة الاحتلال، تجسيد مرعب لمفهوم “عولمة الانتفاضة”. أما أصوات الغضب في العالم، فلم تعد تخجل من تسمية ما يحدث في غزة بـ”الإبادة الجماعية”، حتى لو كلفها ذلك صداماً مباشراً مع تل أبيب.
“عولمة الانتفاضة”.. من هتاف إلى رصاص
“هذا ما كانوا يقصدونه بعولمة الانتفاضة”، هكذا اختصر زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لابيد وقع الصدمة التي أحدثها هجوم واشنطن، والذي أسفر عن مقتل اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية قرب متحف يهودي ومكتب تابع لـFBI. المنفّذ، إلياس رودريغيز (30 عاماً)، لم يترك مجالاً للشك في دوافعه، إذ هتف أثناء توقيفه: “فلسطين حرة”.
الهجوم ليس الأول ضد أهداف إسرائيلية في الخارج، لكنه يحمل دلالة رمزية خطيرة كونه وقع في العاصمة الأمريكية، مهد الدعم الغربي لإسرائيل، وجاء متزامناً مع تصاعد السخط العالمي من المجازر في غزة.
ردود فعل إسرائيلية.. خوف واتهامات بالجملة
هرع الساسة في تل أبيب إلى شيطنة الهجوم ووسمه بـ”معاداة السامية”، كما أمرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بوقف جميع الفعاليات العامة في الولايات المتحدة وتجميد الأنشطة في المعابد اليهودية، خشية من هجمات مماثلة.
بنيامين نتنياهو اعتبر الهجوم “ثمناً للتحريض ضد إسرائيل”، ووجه بتشديد إجراءات الأمن حول البعثات الدبلوماسية. فيما صرخ إسحاق هرتسوغ بأن “العداء للسامية بات تهديداً مباشراً لحياة اليهود”، أما جدعون ساعر، وزير الخارجية، فرأى في ما حدث “نتاجاً مباشراً للتحريض المتواصل ضد إسرائيل منذ 7 أكتوبر”.
“عولمة الانتفاضة”.. المصطلح الذي يؤرق إسرائيل
بدأ استخدام هذا الشعار في المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، لكنه اليوم يتخذ بُعداً أكثر عمقاً. فهو لا يدعو فقط لمقاطعة إسرائيل، بل لتحويل المقاومة إلى حركة عالمية ضد نظامها. من نيويورك إلى لندن، ومن الجامعات إلى الشوارع، بات شعار “عولمة الانتفاضة” يرفرف في وجه الدبلوماسيين الإسرائيليين، ومعه شعارات مثل “الانتفاضة حتى النصر” و”لا حل إلا بالثورة”.
وتزعم إسرائيل والمنظمات اليهودية أن هذه الهتافات “تحرّض على العنف”، لكنّ متظاهري العالم يرون فيها صوتاً للعدالة في زمن الإبادة.
“حرب غزة تنتقل إلى واشنطن”.. والاحتجاجات تتسع
صحيفة هآرتس قالتها صراحة: “ما حدث في واشنطن كان مسألة وقت”. الهجوم لم يفاجئ اليهود الأمريكيين الذين طالما حذّروا من تداعيات الحرب، بعد أن تحوّلت المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين إلى تيار جارف، تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية.
وفي لندن، أُلقي القبض على متظاهرين رُفعوا لافتات “عولمة الانتفاضة”، وفي نيويورك رُبط الشعار بهجوم قرب مكتبة يتردد عليها طلاب يهود، ما يزيد من رعب المؤسسة الإسرائيلية.
من واشنطن إلى أوروبا.. تل أبيب تفقد حلفاءها
صحيفة الغارديان رصدت تحوّلاً جذرياً: “إسرائيل تواجه عزلة غير مسبوقة بعد 19 شهراً من الحرب”. بريطانيا وفرنسا وكندا علّقت تعاونها مع إسرائيل، ووزير خارجية هولندا دعا لمراجعة الشراكة الأوروبية مع تل أبيب، فيما وصف رئيس الوزراء الإسباني إسرائيل بـ”دولة إبادة جماعية”.
حتى دونالد ترامب، حليف إسرائيل الأبرز، تجنّب التوقف فيها خلال جولته، ونائب الرئيس الأمريكي الجديد، جيه دي فانس، أجّل زيارته لإسرائيل “لأسباب تتعلق بالمرحلة”، في إشارة إلى محاولة النأي بالنفس عن حكومة نتنياهو.
الصدمة في الداخل الإسرائيلي.. “الكل يكرهنا”
صحيفة معاريف نقلت عن محللين عسكريين قولهم إن إسرائيل “فقدت الزخم”، وإن حماس نجحت في قلب الديناميكية، ما جعل إسرائيل دولة منبوذة. هآرتس حذّرت من وصمة “قابيل” التي ستلاحق إسرائيل لأجيال بسبب المجازر والمجاعة في غزة، معتبرة أن “الحلفاء لم يعودوا قادرين على الدفاع عن مجرم حرب”.
سفير إسرائيل في الاتحاد الأوروبي، حاييم ريجيف، قالها بمرارة: “أوروبا سئمت من تكرار رواية الأسرى، وهم يرون الآن دماراً وجوعاً وأطفالاً يُقتلون. يطالبون بإنهاء الحرب فوراً”.
تآكل الدعم الشعبي في أمريكا.. أرقام مفزعة لإسرائيل
بحسب غالوب، فإن دعم الأمريكيين لإسرائيل هو الأدنى منذ 25 عاماً، مع ارتفاع تاريخي للتعاطف مع الفلسطينيين بنسبة 33%. أما مركز بيو فأكد أن أكثر من نصف الأمريكيين (53%) يحملون آراءً سلبية تجاه إسرائيل، بزيادة 11 نقطة خلال عامين فقط.
خاتمة: إسرائيل في مهبّ “عولمة الانتفاضة”
ما بين واشنطن وغزة، تتصدع صورة إسرائيل كـ”ضحية”، وتتساقط أقنعتها أمام جماهير العالم. الهجوم في قلب العاصمة الأمريكية ليس نهاية، بل علامة تحوّل: فالصمت مات، والعالم، حتى في قلب الغرب، بدأ يرى الحقيقة، ويردّ عليها. ومهما حاولت تل أبيب أن تُخفي الحقيقة بشعار “معاداة السامية”، فإن “عولمة الانتفاضة” باتت واقعاً يصعب كبحه.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار