في ظل الانهيار الاقتصادي المتسارع، لم تعد مصر تُدار من قصر الاتحادية فحسب، بل باتت تُدار -بحسب مراقبين- من أبوظبي والفجيرة أيضًا. فقد تجاوزت العلاقة بين الإمارات ومصر حدود “الشراكة الاقتصادية” التقليدية، لتتحول إلى ما يشبه “الاحتلال الناعم”، حيث تُشترى الأصول، وتُحاك السياسات، ويُعاد تشكيل القرار المصري بأيدٍ خليجية، في مشهد يثير قلقًا واسعًا حول مصير السيادة الوطنية.
استثمارات أم سيطرة؟
الزيارة الأخيرة لولي عهد الفجيرة إلى القاهرة كانت كاشفة ومثيرة للجدل. فعلى غير المعتاد، شملت لقاءات موسعة مع كبار المسؤولين المصريين، وزيارات ميدانية لمشروعات حساسة، بل وحتى جولات ذات طابع ثقافي وسياسي، ما دفع مراقبين للتساؤل: هل نحن أمام مستثمر عابر أم شريك متحكم؟
الواقع يؤكد أن الإمارات لا تستثمر فحسب، بل تشتري مصر “قطعة قطعة”، وسط صمت رسمي خانق، وترويج إعلامي لا يرى أبعد من شعارات “الاستثمار الأجنبي” و”تنشيط الاقتصاد”.
من الموانئ إلى السيادة
أبرز ما يثير الريبة هو حجم ونوعية الأصول التي تسيطر عليها الشركات الإماراتية أو المرتبطة بها:
-
الموانئ الاستراتيجية على البحرين الأحمر والمتوسط باتت في قبضة الإمارات عبر اتفاقيات طويلة الأجل.
-
الأراضي الزراعية الخصبة في صعيد مصر والدلتا تنتقل تدريجيًا إلى مستثمرين خليجيين بتسهيلات مريبة.
-
شركات القطاع العام الحيوية تُعرض للبيع تحت ضغط الديون، وتُمنح ما يسمى بـ”الرخصة الذهبية” لمستثمرين إماراتيين دون رقابة أو شفافية.
-
مشروع رأس الحكمة السياحي العملاق، الذي أثار جدلًا واسعًا حول تفريط الدولة في أصول نادرة على ساحل المتوسط.
ويبرز اسم خلف الحبتور كمثال على رجال أعمال إماراتيين يحظون بنفوذ غير مسبوق داخل القاهرة، وُصِف بأنه “يتصرف كمالك لا كمستثمر”.
صفقات بلا شفافية.. ومؤسسة عسكرية صامتة
رغم حجم الصفقات الضخم، لا تتوفر أي معلومات علنية عن آليات التقييم أو تفاصيل العقود، ما يفتح الباب أمام شبهات فساد وهيمنة اقتصادية خارجية مقلقة.
الأكثر إثارة للدهشة هو الصمت الكامل للمؤسسة العسكرية، التي طالما قدمت نفسها كحامية للسيادة والمصالح الاستراتيجية، لكنها الآن تقف متفرجة أمام تفريط واضح في مقدرات البلاد.
البُعد السياسي والعسكري
النفوذ الإماراتي لا يقتصر على الاقتصاد. فهناك تقارير متواترة عن تنسيق سياسي واستخباري عميق بين القاهرة وأبوظبي، شمل ملفات إقليمية مثل ليبيا والسودان، بل وحتى التنسيق الأمني داخل مصر.
كما أن الإمارات تُعدّ من أبرز الداعمين للنظام الحالي منذ 2013، ما يجعل دعمها الاقتصادي مشروطًا، ومرتبطًا بمسارات السياسة الداخلية والخارجية، من دعم التطبيع مع إسرائيل، إلى التناغم الكامل مع الأجندة الإماراتية في القرن الإفريقي.
نهاية السيادة؟
يرى معارضون أن ما يجري ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل تفكيك فعلي لمفهوم السيادة الوطنية، عبر إحلال رأس المال الأجنبي محل القرار الوطني، في ظل صمت شعبي مفروض بالقمع، ومعارضة مُجهضة، ومجتمع دولي لا يبالي.
ما يحدث في مصر اليوم قد يكون أخطر من أي احتلال عسكري. إنه احتلال ناعم بأدوات الاقتصاد، ومظلة الاستثمار، وإعلام يروّج للنجاح بينما تُفقد البلاد استقلالها، وتُرهن أصولها، وتُباع ذمتها… بصمت رسمي مدوٍ.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار