في وقتٍ باتت فيه ثقافة “الاستهلاك السريع” تُغرق العالم بنفايات لا تنتهي، تُطلق فيينا مبادرة ذكية تعيد صياغة علاقتنا مع الأشياء: إصلاح مجاني، بدلاً من الرمي! تقول فيينا “مهلًا، ما زال في القديم حياة!”، وتفتح أبواب متحف الحي (MuseumsQuartier) أمام آلاف الزائرين لتحتفي بالمعنى الحقيقي للاستدامة من خلال معرض repair:fair، حيث يُصبح الإصلاح عملاً جماعياً، والمخلفات فرصاً، والأجهزة المعطوبة بداية جديدة.
في معرض (repair:fair) الذي انطلقت فعالياته هذا الأسبوع في متحف الحي (MuseumsQuartier)، لم يكن الهدف فقط إصلاح الدراجات أو الخلاطات أو السترات القديمة، بل إصلاح عقلية استهلاكية تعتبر كل عطل نهاية. تقول المدينة: لا، هذا ليس عطلًا… بل فرصة جديدة!
تحوّلت قاعات “أرينا 21″ و”القاعة البيضاوية” وساحة المتحف إلى ورش نابضة بالحياة، حيث يُمكنك أن تأتي بدراجتك القديمة، أو مكواة عطلت منذ عام، أو معطفك الممزق، وتحصل على فحص مجاني وإصلاح فوري. أما الجديد هذا العام، فهو ما يُشبه حلم الهواة: “مقهى الإصلاح”، حيث يُمكنك، بإشراف فنيين محترفين، إصلاح جهازك بنفسك!
وإن لم تكن تملك شيئاً لإصلاحه؟ لا بأس. استمتع بالموسيقى، شارك أطفالك في ورش العمل، أو تسوّق من بازار الملابس المستعملة وتبادل القطع وكأنك في كرنفال للوعي البيئي.
فيينا لا تكتفي بالعروض الرمزية، بل تدعم هذا التوجّه بمبادرة رائدة: كوبون الإصلاح (Wiener Reparaturbon)، الذي يُعيد إلى جيبك نصف تكلفة الإصلاح، بحد أقصى 100 يورو، ويمنح دعمًا لطلبات الأسعار حتى 55 يورو. نتيجة؟ أكثر من 51 ألف غرض تم إنقاذه من مقالب القمامة، وانخفاض أكثر من ثلاثة أطنان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
يقول يورغن تسيرنوهورشكي، مسؤول ملف المناخ في بلدية فيينا:
“نريد أن نجعل الإصلاح خياراً سهلاً، لا استثناءً.. وعبر repair:fair نُثبت أن الاستدامة يمكن أن تكون ممتعة، تفاعلية، وذات نفع مباشر للجميع.”
معارض مثل هذه لا تُصلح الأدوات فقط، بل تُصلح علاقتنا بالاستهلاك. تعلمنا أن نُطيل عمر الأشياء، فنُطيل عمر الكوكب.
لكن ما الغرض من هذه الفحوصات والإصلاحات المجانية؟
الجواب أعمق من مجرد خدمة فنية:
-
البيئة أولًا: كل جهاز يتم إصلاحه هو نفاية أقل، وكربون أقل. أكثر من 51,000 غرض أُصلح حتى الآن وفّر 3 أطنان من ثاني أكسيد الكربون.
-
تمكين المستهلك: حين تفحص جهازك مجانًا وتُصلحه بإشراف مختص، تتعلم، وتكسر حاجز الخوف من التكنولوجيا، وتستعيد السيطرة على ممتلكاتك.
-
اقتصاد دائري حقيقي: بدل شراء جديد كل مرة، تُطيل عمر ما تملكه، وتساهم في اقتصاد أكثر ذكاءً واستدامة.
-
عدالة اجتماعية: مجانيتُها تجعل هذه الخدمات متاحة للجميع، بغض النظر عن الدخل، وهذا في حد ذاته موقف أخلاقي.
المعرض قد ينتهي، لكن الرسالة مستمرة: عندما نُصلح الأشياء، نُصلح أيضًا علاقتنا مع الكوكب.
وفي فيينا، الإصلاح ليس مجرد صيانة… إنه ثقافة.
وفي فيينا؟ العُطل لم يعد نهاية، بل بداية حكاية جديدة.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار