الإثنين , 27 أبريل 2026

أول أسقفة في تاريخ النمسا تدعو لعودة “الجمعة العظيمة” كعيد رسمي

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

في خطوة تاريخية وغير مسبوقة، انتُخبت البروفسورة كورنيليا ريختر كأول امرأة تتولى منصب رئاسة الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في النمسا، خلفًا للأسقف المنتهية ولايته ميخائيل خالوبكا، الذي سيتقاعد بنهاية 2025. ريختر، وهي أستاذة في علم اللاهوت بجامعة بون الألمانية وتنحدر من منطقة باد غويزيرن، أعلنت فور انتخابها تمسكها بإعادة “الجمعة العظيمة” كعطلة رسمية في النمسا.

انتخاب سريع ورسالة قوية

الانتخابات الكنسية التي جرت في فيينا – دوناوشتات يوم الجمعة، حسمت من الجولة الأولى، إذ حصلت ريختر على 64 من أصل 68 صوتًا، وهي نسبة تفوق الثلثين، ما يعكس إجماعًا غير مسبوق على شخصها. توليها المنصب سيبدأ رسميًا في 1 يناير 2026، وتمتد ولايتها – وفق النظام الكنسي – لمدة 12 عامًا.

“الجمعة العظيمة يجب أن تعود”

ريختر أعادت في كلمتها التأكيد على رفضها الشديد لإلغاء “الجمعة العظيمة” كعطلة دينية رسمية، والذي كان قد أُقر عام 2019 وسط جدل واسع. وقالت بصراحة لافتة:

“سأبذل كل ما بوسعي. هذا اليوم يجب أن يعود، فلا يمكن أن نستغني عن عيد يعرّف المسيحية كما لا يفعل غيره.”

ووجهت انتقادًا سياسيًا حادًا، مشيرة إلى أن قرار الإلغاء جاء من حزبي الشعب والحرية (ÖVP و FPÖ)، رغم أنهما “لا يتوقفان عن التحذير من نهاية الغرب بسبب ديانات أخرى”، على حد تعبيرها، مضيفة بسخرية:

“ثم هم أنفسهم يلغون عيدًا مسيحيًا هو من صميم هوية هذه القارة.”

من الجامعة إلى القيادة الروحية

وأعلنت ريختر استعدادها لترك منصبها الأكاديمي في ألمانيا والتفرغ الكامل للكنيسة، مؤكدة أن الكنيسة ليست مجرد مؤسسة، بل مجتمع إنساني وإيماني. كما أعربت عن التزامها بتعزيز الحوار بين الأديان، مشددة على أهمية الانفتاح قائلة:

“يجب أن يعرف الإنسان من هو وماذا يريد أن يكون، ولكن عليه أيضًا الدخول في حوار سلمي مع الآخرين.”

خلفية: إلغاء أثار ضجة

يُذكر أن إلغاء “الجمعة العظيمة” كعطلة رسمية في النمسا أثار استياءً واسعًا، خصوصًا في صفوف الطوائف البروتستانتية، إذ يعتبر هذا اليوم من أهم المناسبات في التقويم المسيحي. وجاء الإلغاء بعد حكم من محكمة العدل الأوروبية يفرض المساواة بين الموظفين في ما يتعلق بالعطل الدينية، ما دفع الحكومة النمساوية آنذاك لاعتماد “نصف يوم عطلة” بدلًا من العطلة الكاملة، وهو ما قوبل برفض كبير.

انتخاب امرأة تقود الكنيسة في بلد محافظ

وصول كورنيليا ريختر إلى منصب الأسقفة الأولى في النمسا ليس مجرد خبر كنسي داخلي، بل حدث ذو دلالة رمزية واجتماعية عميقة، خصوصًا في بلدٍ لا يزال يحمل في بنيته الدينية والثقافية الكثير من الملامح المحافظة.

فرغم أن الكنيسة الإنجيلية في النمسا أكثر انفتاحًا من الكنيسة الكاثوليكية، إلا أن فكرة أن تتولى امرأة القيادة الروحية العليا تتحدى تقاليد ذكورية متجذرة في التصور المجتمعي العام حول “القيادة الدينية”. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية كونها تأتي في لحظة سياسية وثقافية أوروبية تتصاعد فيها نبرة الشعبوية والتيارات اليمينية التي تخلط الدين بالهوية القومية وتحصره غالبًا في صورة “الأب الحامي”.

ريختر، بأكاديميتها الرفيعة وخطابها الواضح في دعم الحوار بين الأديان ورفض التوظيف السياسي للدين، تبعث برسالة مزدوجة: أولًا، أن الإيمان لا يتعارض مع المساواة؛ وثانيًا، أن الكنيسة ليست حارسًا للحدود الثقافية، بل جسرًا للتواصل الإنساني.

كما أن صعودها يشكّل إلهامًا لجيل جديد من النساء في النمسا وخارجها ممن يجدن أنفسهن في موقع “الهامش” داخل المؤسسات الدينية. فالمسألة لم تعد فقط “من يمكنه أن يصلي أو يعظ”، بل “من يمكنه أن يقود، ويقرر، ويعيد تعريف الإيمان في زمن متحوّل؟”

باختصار، انتخاب ريختر لا يغيّر فقط وجه الكنيسة الإنجيلية، بل يعكس تحولًا أوسع في فهم السلطة الروحية، ويفتح الباب أمام مراجعات جريئة لدور المرأة داخل الأطر الدينية التقليدية، حتى في مجتمعات لا تزال تسير بحذر في هذا الاتجاه.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!