فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
من جيبوتي إلى اليمن، ومن تونس إلى ليبيا، مرورًا بلبنان والسودان وحتى مساجد أوروبا، تتحرك الإمارات بخفة دبابة وثقل خزائن نفطها، ناشرة نفوذها على طريقة شركات الأمن الخاصة: لا صوت يعلو فوق صوت الريموت كنترول.
الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي قالها بصراحة نادرة في عالم عربي يمارس فن الصمت: “لن نُدار بالريموت، ولن نخضع لموانئ دبي”. عبارة تقلب الطاولة على مشروع “إمارات المحاور”، الذي يقوم على شراء الولاءات، وخنق السيادات، وبناء قواعد من الباطن في دول تعاني من الفقر أو الاضطراب.
جيبوتي لم تكن الدولة الأولى التي تواجه الغضب الإماراتي، لكنها واحدة من القلائل التي تجرأت على فضحه. فالإمارات – عبر شركة موانئ دبي وغيرها من أذرعها الاقتصادية والعسكرية – لا تسعى فقط لاستثمار في الموانئ، بل للاستثمار في القرار السياسي ذاته، وتسييره بما يخدم رؤيتها الأمنية، وأجنداتها الإقليمية.
في اليمن، لم تكتفِ أبوظبي بتقويض سلطة الشرعية التي جاءت من أجل “دعمها”، بل أنشأت ميليشياتها الخاصة، وسيطرت على موانئ الجنوب، ثم انسحبت “اسميًا” وبقيت فعليًا. وفي ليبيا، دعمت الجنرال حفتر في حرب لم تنتج سوى الخراب، متحدية قرارات الأمم المتحدة، ومتجاهلة الإرادة الشعبية.
أما في تونس، فقد رصد النشطاء والإعلاميون الدور الإماراتي في دعم الانقلابات الناعمة، وتمويل منصات إعلامية هدفها شيطنة كل من لا يسير في فلك محور “الاستقرار السلطوي”. وفي السودان، تورّطت الإمارات في دعم فصائل عسكرية، وتغذية الانقسام الوطني، حتى بات البلد مسرحًا لصراعات الإخوة الأعداء.
وإذا خرجنا من العالم العربي إلى أوروبا، وجدنا الأذرع الإماراتية تعمل على اختراق المجتمعات المسلمة عبر مؤسسات دينية مشبوهة، ومساجد ترفع شعارات “الاعتدال الإماراتي”، بينما تُمارس أقسى أنواع الرقابة والوشاية بحق كل من يرفع صوته بالحق أو يتعاطف مع فلسطين.
في النمسا وفرنسا وألمانيا، تكررت التقارير عن دعم إماراتي خفي لحملات شيطنة ضد الإخوان أو الجمعيات الإسلامية المستقلة، تحت شعار مكافحة التطرف. لكن الحقيقة أن المستهدف هو “استقلال المسلمين الأوروبيين” عن وصاية الحكام العرب، خاصة حكّام المال والتحكم عن بعد.
فما يجري ليس مجرد منافسة جيوسياسية، بل مشروع لتفكيك مكونات المجتمعات من الداخل، واستبدال السيادة الوطنية والسياسية والدينية، بعقيدة واحدة: “نفعل ما نريد، وأنت تفعل ما نُريد”.
خطاب جيبوتي كان مفاجئًا لأنه كسر الصمت. بلد صغير، محاط بالقواعد العسكرية الأجنبية، قال ما عجزت عنه دول أكبر: لسنا للبيع، ولسنا ساحة لمعارك غيرنا. إنها صفعة على وجه غطرسة المال الإماراتي، وصفحة جديدة في مقاومة النفوذ السائل الذي تغلغل حتى النخاع في الجغرافيا العربية.
ربما حان الوقت لنسمّي الأمور بأسمائها: الإمارات ليست مجرد دولة طموحة، بل مشروع نفوذ إمبراطوري يمارس أدواره خارج أي مساءلة، ويهدد استقرار الجوار من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وحتى ضواحي برلين وفيينا.
فهل نحتاج إلى رؤساء شجعان مثل جيلي في كل العواصم العربية؟
ربما، لكن الأهم أن نبدأ بفكّ الريموت عن مستقبلنا، قبل أن نجد أنفسنا نُدار من بعيد… بصمت، وبكامل الرضا.
https://youtu.be/aTcZm4zTUjU
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار