الإثنين , 27 أبريل 2026

بالفيديو – تلاميذ على طريق دير ياسين: كيف تبرمج إسرائيل أطفالها على الكراهية؟

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

في غزة، لا تشرق الشمس إلا على أطلال البيوت، ولا يغيب النهار إلا تاركًا خلفه جثثًا صغيرة وأصواتًا مذبوحة. المجازر هناك لا تحتاج إلى شاهد، فالدخان وحده يروي الحكاية، والركام يكشف عن فصولها. ومع كل هذا، تظل الأسئلة معلقة في سماء الضمير: كيف يُمكن لجنود أن يقتلوا الأطفال بدم بارد؟ من أين تأتي هذه الوحشية التي تتجاوز السلاح، إلى ما هو أعمق: العقل والوجدان؟ الإجابة الصادمة تبدأ من مقعد المدرسة.

إبادة مُدرّسة على السبورة

منذ اللحظة التي يدخل فيها الطفل الإسرائيلي إلى فصله الدراسي، تبدأ ماكينة تطبيعه مع الاحتلال وترويضه على الكراهية. لا تُقدَّم له فلسطين كدولة، بل كخطأ جغرافي يجب تصحيحه. لا يُصوَّر الفلسطيني كإنسان، بل كمشكلة. المدرسة، تلك التي تُفترض حضنًا للقيم، تتحوّل إلى معمل لصناعة العقل الاستعماري، يُلقَّن فيه الطالب أن السيطرة حق، والمحو واجب.

ليس ذلك استنتاجًا عاطفيًا، بل حقيقة موثقة بأبحاث موسعة. في كتابها “فلسطين في الكتب المدرسية الإسرائيلية”، تكشف الباحثة نوريت بيليد–إلهان أن المناهج الإسرائيلية لا تكتفي بتزييف التاريخ، بل تعيد صياغة الوعي منذ الطفولة، لتُنتج مواطنًا يرى في إبادة الفلسطينيين ضرورة وجودية.

العدو في عيون الطفل

في الأدب المدرسي الإسرائيلي، العربي ليس طبيبًا أو مزارعًا أو حتى طفلًا يحلم. بل دائمًا “إرهابي”، “بدائي”، “غير نظيف”. تقول بيليد–إلهان إنها، بعد مراجعة مئات الكتب، لم تجد صورة واحدة تُظهر العربي كإنسان عادي. الطفل العربي لا يظهر، وإن ظهر، فبهيئة تهديد متحرك. بهذه الطريقة، يصبح محوه من الجغرافيا أسهل، ومن الذاكرة أيسر، ومن الحياة… مُبرَّر.

أما الباحثة أدير كوهين، فقد حللت أكثر من 500 قصة أطفال تُدرّس في المدارس الإسرائيلية، فوجدت أن الغالبية الساحقة تُصوّر العرب كحيوانات: ذئاب، أفاعٍ، كلاب متعطشة للدم. النتيجة؟ أكثر من 80% من طلاب الابتدائي يرون العربي “قذرًا”، و90% لا يعترفون له بحق في الوجود.

دير ياسين: مجزرة مفيدة!

في كتب التاريخ، لا يُخفى قتل الفلسطينيين، بل يُقدَّم كأمر “مؤسف وضروري”. مجزرة دير ياسين مثلًا، تُروى كخطوة ساعدت على “إقناع العرب بالمغادرة”، وبالتالي ساهمت في قيام الدولة. المعنى الضمني للطالب: القتل كان نافعًا، ولو تكرر، سيكون مشروعًا.

هكذا، لا يُربّى الطفل الإسرائيلي على نفي الجريمة، بل على تبنّيها كوسيلة “دفاع”، وعلى نزع الإنسانية عن الضحية، حتى تصبح رصاصتك مجرد “حق”.

الجامعة مصنع الجنود

هذا الغرس لا يتوقف عند المدارس. فالجامعات، كمؤسسات “نخبوية”، تكمّل المشهد. وتستبدل اللغة التعليمية بالخطاب التعبوي. تندمج الثقافة العسكرية في الحرم الأكاديمي، ويُعزَّز مفهوم “التفوّق الأخلاقي” الإسرائيلي في مواجهة “العربي المتخلّف”، بل تُنظّر بعض المساقات لوجوب “التطهير الأمني” من العرب، خاصة في الكليات المرتبطة بالجيش والأمن.

حتى الطلبة العرب داخل الجامعات الإسرائيلية يتلقون مناهج تُنكر وجودهم. فأسماء قراهم مفقودة من الخرائط، وتاريخهم مستبدل بـ”رواية الإنقاذ الصهيوني”. ولعل ذلك يفسّر كيف يصبح بعض خريجي هذه الجامعات قادة ميدانيين، يديرون عمليات القتل وهم يحملون شهادات علمية!

حين يتحوّل القتل إلى خبر عادي

يومًا بعد يوم، تُنتج هذه المنظومة عقلية لا ترى في المجزرة جريمة، بل “واجبًا وطنيًا”. فتاة إسرائيلية ظهرت مؤخرًا أمام الكاميرا وقالت بثقة: “علينا تدمير نسلهم… حتى لا يُنجبوا المزيد”. لم تكن مجنونة، بل ابنة هذا النظام التربوي. كانت تتحدث من معبر كرم أبو سالم، على مرمى حجر من غزة، كمن يلقي نكتة في جلسة عائلية. هذا ليس استثناءً، بل ثمرة مزروعة منذ أول درس في الصف.

الخاتمة: لا مفرّ من الجذر

ما يجري في غزة اليوم ليس فقط نتاج سلاح، بل نتاج كتاب. والمجزرة ليست فقط نتيجة قرار عسكري، بل نتيجة درس طويل في العنصرية والإنكار. من الحبر إلى الرصاص، هناك مسافة قصيرة في إسرائيل، تُقطع في منهج دراسي واحد. لهذا، لا يكفي وقف الحرب. لا بد من تفكيك البنية التعليمية التي تُنتج القتلة، وتبرّر جرائمهم، وتحوّل الاحتلال إلى بطولة.

حين يُربّى الطفل على أن الآخر أدنى، وأن وجوده تهديد، فلا عجب أن يكبر ليقصفه، ثم يضحك. لأن المدرسة قالت له — يومًا — إن ذلك حقه.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!