فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في قلب جوع غزة المحاصر، وبين ركام رفح المدمرة، وُلد كيان جديد لا يشبه المقاومة، ولا يُشبه فصائلها. مجموعة مسلحة تطلق على نفسها الآن “القوات الشعبية”، يقودها رجل اسمه ياسر أبو شباب، تحولت بين ليلة وضحاها من متهم بسرقة شاحنات الإغاثة إلى شريك رسمي في تنظيم دخولها.. ولكن تحت إشراف من؟ تحت عين الاحتلال نفسه.
ياسر أبو شباب، اسم بات يتردد كثيرًا في جنوب القطاع، ليس بصفته مناضلًا أو قائدًا ميدانيًّا، بل كـ”قوة أمر واقع” تسيّر شاحنات المساعدات وتفرض وجودها بالسلاح، في المناطق التي انسحبت منها حركة “حماس” بفعل آلة التدمير الإسرائيلية.
ما يثير الريبة – والاشمئزاز في آن – أن هذه المجموعة المسلحة، التي يقول كثير من سكان غزة إنها نهبت قوافل الإغاثة منذ الأشهر الأولى للحرب، عادت لتظهر بثوب جديد وبضوء أخضر واضح من تل أبيب، وتتحرك علنًا برفقة جيش الاحتلال على بعد أمتار من معبر كرم أبو سالم، الذي لا يدخل منه إلا ما تسمح به إسرائيل.
التحول لم يكن شكليًا فقط، بل بدأ من تغيير الاسم على صفحات التواصل. من “جهاز مكافحة الإرهاب” إلى “القوات الشعبية”، ومن صور المسلحين الملثمين خلف السواتر إلى منشورات رسمية تزعم “تأمين شاحنات الطحين لصالح برنامج الأغذية العالمي”. حتى الغلاف الإعلامي للمجموعة بدأ يتغير، فظهرت حسابات تروّج لزعيمها كبطل محلي، وتُغدق عليه الألقاب، رغم اتهامات سابقة بحقه تتعلق بالنهب، والتهريب، وقطع الطريق.
لكن ما لا يمكن تجميله هو الحقيقة الأساسية: أن “أبو شباب” وفريقه يعملون الآن من داخل منطقة تخضع تمامًا للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. لا أحد يمر أو يتحرك في شرق رفح وغربها دون إذن من الجيش. ومع ذلك، تتنقل مليشيا “أبو شباب” بين النقاط، مسلحة، تُنسّق، وتنظم، وتظهر على الكاميرات.
بعد 600 يوم …
لم ييأسوا في ابتغاء عدوهم
لم يقنطوا في حصد أرواح كلابه
لم يقعدوا عن مواجهته وإيلامهم
حتى اليوم .. يمزقون أجسادهم
أبطال القسام يبثون مشاهد لاستهداف المتعاونين مع جيش الاحتلال شرق مدينة رفح. pic.twitter.com/XS8tN18UbN— د. أحمد عطوان DR.AHMED ATWAN (@ahmedatwan66) May 30, 2025
فمن أين جاءت هذه “الشرعية الجديدة”؟
الإجابة على الأرجح تكمن في التقاء المصالح. فمع تحلل البنية الإدارية في جنوب غزة، ومع سعي إسرائيل لتطبيق نموذج “الغزة الجديدة” القائم على تسليم القطاع إلى مجموعات غير حمساوية، ظهرت الحاجة لقوة محلية تتولى ترتيب مرور المساعدات في ظل الفوضى والجوع.
لكن هذه ليست “قوة مدنية”، بل تشكيل مسلح قبلي عائلي، يضم مقاتلين من عشيرة “الترابين”، وبعض ضباط الأجهزة الأمنية السابقين في السلطة الفلسطينية، وبعض من وصفوا بأنهم “مجرمون سابقون”، أفرجت عنهم حماس بعد قصف مقراتها.
ما يحصل ليس إعادة تنظيم للمجتمع، بل خلق فوضى منظمة، تشبه إلى حد كبير ما عرفته مدن عربية أخرى في أعقاب الاحتلال أو الانهيار، حين تصعد الميليشيات وتحكم الناس بالذعر، لا بالقانون.
والسؤال الأخطر: هل نشهد في غزة تأسيس نواة لحزام أمني عميل؟
ربما لا يقول الإسرائيليون ذلك علنًا، لكن الأفعال تتحدث: حماية “أبو شباب”، التغاضي عن سجله، السماح له بالتمركز على بعد أمتار من المعابر، والتعامل معه كـ”شريك أمر واقع”، كلها إشارات إلى أن الاحتلال يريد نموذجًا يُدير به جنوب القطاع بالوكالة.

وقد بدأت بعض الحسابات العبرية على “تلغرام” و”تويتر” تروج للرجل، تنشر صوره، وتنقل مقاطع فيديو له وهو يوقف سيارات تابعة للصليب الأحمر، وكأنه ضابط على حاجز رسمي، لا ميليشيا من أطراف الفوضى.
كل هذا يحدث فيما تعلن عائلته البراءة منه، وتظهر تقارير حقوقية عن المجاعة المتفشية، وبيع المساعدات في السوق السوداء بأسعار خيالية، وظهور “مافيات إغاثة” تُسيطر على المساعدات وتعيد توزيعها لمصالح ضيقة، على حساب الجائعين.
في النهاية، لا يهم ما يكتبه أبو شباب على صفحته، ولا إن ظهر ببدلة سوداء أو كلاشينكوف، ما يهم هو ما يعرفه الناس: أن هذه المجموعة خرجت من رحم الحصار، وولدت من بطن الفوضى، وتعيش على أنقاض القانون، وتزدهر في ظل صمت العالم.
وهكذا، تصبح غزة مرتعًا لمليشيا جديدة.. لكن هذه المرة برعاية الطائرات والدبابات.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار