فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في تطور غير مسبوق، بات الشاب المسلم زهران ممداني قاب قوسين أو أدنى من دخول التاريخ من أوسع أبوابه، بعدما فاز بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، متفوقًا على أسماء سياسية ثقيلة، أبرزها الحاكم السابق أندرو كومو، بنسبة بلغت 43.5% من الأصوات. هذا الفوز لا يعكس مجرد تقدم انتخابي، بل زلزالًا سياسيًا في واحدة من أكثر المدن الأميركية تعقيدًا وتنوعًا: نيويورك.
من هو زهران ممداني؟
شاب يبلغ من العمر 33 عامًا، وُلد في أوغندا لأبوين هنديين، وهاجر إلى الولايات المتحدة وهو طفل. ترعرع في مدينة كوينز، وتخرج من جامعة بوين، وعُرف بنشاطه السياسي والاجتماعي ضمن التيار التقدمي. ممداني ليس مجرد مرشح مسلم، بل صوت جريء لسياسات راديكالية تطال جذور النظام الاقتصادي والاجتماعي في المدينة.
برنامجه الانتخابي… أقرب إلى ثورة ناعمة
يرفع ممداني شعارات تلقى صدى واسعًا لدى الطبقات الفقيرة والوسطى:
-
نقل عام مجاني
-
وقف تصاعد الإيجارات
-
رفع الحد الأدنى للأجور إلى 30 دولارًا في الساعة
-
إصلاح شامل للشرطة والعدالة الجنائية
-
مواقف علنية قوية ضد الاحتلال الإسرائيلي ووصف ما يجري في غزة بـ”الإبادة الجماعية”
ترامب يهاجم… ويكشف حجم التهديد
رد الفعل من معسكر المحافظين لم يتأخر. فقد شن الرئيس السابق دونالد ترامب هجومًا عنيفًا على ممداني عبر منصته “Truth Social”، واصفًا إياه بأنه:
“شيوعي متطرف… مهووس… وليس ذكيًا”.
هجوم ترامب لا يعكس مجرد عداء أيديولوجي، بل مؤشر على حجم التهديد الذي يمثله ممداني لمؤسسة سياسية تعتبر بلدية نيويورك واحدة من حصونها التاريخية.
هل يمكن لمرشح مسلم الفوز بعمدة نيويورك؟
الاحتمال لم يعد بعيدًا. فبعد اكتساحه التمهيدية الديمقراطية، بات ممداني هو المرشح الأوفر حظًا للفوز في انتخابات نوفمبر، نظرًا للثقل الانتخابي الهائل للحزب الديمقراطي في المدينة.
لكن التحديات جسيمة:
-
حملة إعلامية تتهمه بـ”الراديكالية” و”قلة الخبرة”
-
اللوبيات العقارية والشرطية التي ترى في برنامجه تهديدًا مباشرًا
-
موجة عنصرية وإسلاموفوبيا قد تحاول تقويضه
لحظة فارقة لنيويورك… وربما لأميركا
إذا فاز زهران ممداني بمنصب العمدة، فستكون المرة الأولى التي يتولى فيها مسلم هذا المنصب في مدينة بحجم نيويورك. لكن الأهم من رمزية الدين، هو ما يحمله برنامجه من وعود حقيقية بالتغيير.
هل تنجح “الآلة التقدمية” في كسر السقف الزجاجي؟
هل يكون نوفمبر موعدًا مع التاريخ؟
نيويورك، بكل ما تمثله، على وشك أن تختار بين الاستمرار في الماضي… أو القفز إلى مستقبل مختلف.

لماذا تخشى إسرائيل من فوزه؟
شجاعته السياسية في تبني مواقف صريحة بشأن فلسطين لم تخفت حدّتها مع إعلان ترشحه، فبدون مواربة وصف ما يحدث في غزة بـ”الإبادة الجماعية”، وطالب بوقف الدعم للشرطة المتعاونة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وصوّت ضد قوانين تقيّد حركة المقاطعة. بل تعهّد ممداني، حال فوزه، باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا وطئت قدماه المدينة، لاتهامه بارتكاب جرائم حرب.
وبينما يتوعّد ممداني بمحاسبة مجرمي الحرب، ينخرط منافسه في حمايتهم؛ فالحاكم السابق أندرو كومو — الذي استقال من منصبه عام 2021 بعد فضائح تحرش جنسي — قد انضم إلى الفريق القانوني للدفاع عن نتنياهو نفسه، المطلوب بموجب مذكرة توقيف دولية.
هذه المواقف وضعته في مرمى نيران اللوبيات الموالية لإسرائيل، التي حاولت، بكل الطرق، تحويل سباق العمدة إلى استفتاء على موقفه من إسرائيل. لقد وصل الأمر، كما وصفت صحيفة الغارديان، إلى أن “تحوّل السباق إلى نوع من الحرب بالوكالة بين إسرائيل وفلسطين، رغم رغبة الناخبين من الجانبين في إبقاء التركيز على القضايا المحلية.” في كل مناظرة، كان السؤال الوحيد الموجَّه له يدور حول موقفه من زيارة إسرائيل، أو من “حقها في الوجود”، بينما تجاهلت نفس الجهات مواقفه من القضايا اليومية التي تهم سكان نيويورك.
وفي إحدى المقبلات، سُئل ممداني مباشرةً عمّا إذا كان سيزور إسرائيل كعمدة، بينما سُئل بقية المرشحين عن أولوياتهم المحلية. أجاب: “لست بحاجة إلى السفر إلى إسرائيل للدفاع عن يهود نيويورك”. وعندما سُئل عن “حق إسرائيل في الوجود”، قال: “أؤمن بأن لإسرائيل الحق في الوجود كدولة تقوم على المساواة في الحقوق… أؤمن بأن كل دولة يجب أن تكون دولة مساواة في الحقوق.”
أثارت إجاباته في آنٍ واحد موجة من الثناء والانتقاد، حتى من بعض اليساريين الذين رأوا في اعترافه بإسرائيل، ولو مشروطاً، نوعاً من التنازل. ومع ذلك، سرعان ما استُخدمت تلك التصريحات سلاحاً ضده، في سياق اتهامات معتادة ومكرّرة بـ”معاداة السامية”. فقد اعتبر خصومه أن رفضه الاعتراف بإسرائيل بصيغتها الحالية كدولة عنصرية تُكرّس نظام فصل عنصري.
وبدأ كومو بتشويه ومهاجمة ممداني على أنه “خطير” على اليهود، ففي مدينة تضمّ قرابة مليون يهودي، وهي أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل، لطالما كان إعلان الولاء لإسرائيل جزءاً شبه تلقائي من خطاب رؤساء بلدية نيويورك السابقين.
حتى إريك آدامز، العمدة الحالي الذي يترشح كمستقل بعد تآكل شعبيته، تبنّى بدوره تعريفاً مثيراً للجدل لمعاداة السامية، وبدأ يروّج لفكرة الترشح ضمن قائمة حزبية تحمل عنواناً تعبويّاً هو “إنهاء معاداة السامية”، في إشارة إلى سعيه لجذب الناخبين عبر خطاب هويّاتي قائم على التخويف لا البرامج.
المبالغة لم تقف عند حدود الخطاب؛ بل وصلت إلى أدوات التشويه، وجرى التلاعب بصوره لإثارة الخوف والشكوك – حيث سُرّب إعلان مُعدّل رقمياً يُظهره ممداني بلحية أكثر كثافة وسواداً، في محاولة مكشوفة لإثارة “الإسلاموفوبيا”.
إلى جانب ذلك، شنّت الصحف الإسرائيلية حملة إعلامية على ممداني، مستخدمة لغة درامية تسعى إلى شيطنته، حيث ركزت على تصويره كرمز لليسار المتطرف. وقد تعمّدت هذه التغطيات الخلط بين معارضته للاحتلال الإسرائيلي وجرائمه في غزة، وبين معاداة السامية، في محاولة لوسم كل نقد للسياسات الإسرائيلية باعتباره عداءً لليهود.
وهكذا، تحوّلت مواقفه المبدئية في رفض العدوان والإبادة إلى تهمة جاهزة، تكشف عن تحالف غير معلن بين بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية وحملات التشويه التي يشنها ساسة أميركيون داعمين للاحتلال، بهدف نزع الشرعية عن أي صوت يُجاهر بالانتصار للعدالة الفلسطينية.
لكن، بحسب صحيفة الغارديان البريطانية، الحرب على غزة قلبت المعادلة، وقلبت ما كان يُعد من المسلّمات السياسية. فالموقف الصريح الذي اتخذه زهران ممداني دعماً للفلسطينيين — والذي كان من شأنه في السابق كفيلاً بنسف حظوظه وطموحه السياسي — ساعده هذه المرة على تحفيز قاعدة جماهيرية واسعة.
ورغم الاتهامات المتكررة ومحاولات التشويه، ظل ممداني ثابتاً على مواقفه، لم يتراجع خطوة، بل تضاعفت شعبيته مع كل هجمة ضده. وعلى الرغم من أن بعض استطلاعات الرأي أظهرت تفوّقاً لكومو، إلا أن نتائج التصويت سارت في اتجاه معاكس تماماً، فبحلول صباح الأربعاء، وبعد فرز 93% من الأصوات، كان في الصدارة بنسبة 44%، مقابل 36% لأندرو كومو.
وبالنظر إلى طبيعة نظام التصويت التفضيلي المعتمد في المدينة، ومع توجّه كتلة كبيرة من مؤيدي المرشح الثالث، براد لاندر، لصالح ممداني، بدا واضحاً منذ الساعات الأولى أن النتيجة حُسمت لصالحه. وبالفعل، اعترف كومو بالهزيمة قبل منتصف الليل. ويُذكر أن الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي هذا العام شهدت تنافس 11 مرشحاً على منصب عمدة مدينة نيويورك، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار