فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في خطوة وصفت بالتاريخية، أبطلت المحكمة الدستورية العليا في النمسا (VfGH) البنود التي تتيح الزيادات التلقائية في الإيجار ضمن العقود التجارية، المعروفة بـ”تأمين القيمة” (Wertsicherungsklauseln)، إذا لم تُتفاوض بشكل فردي مع المستأجر. الحكم، الذي نشرته صحيفة Heute، يُعد زلزالًا قانونيًا في سوق العقارات، ويمثّل انتصارًا كبيرًا لحماية المستهلك.
القضية بدأت حين رفع أحد المستأجرين دعوى أمام المحكمة الجزئية يطالب فيها باسترداد مبالغ دفعها نتيجة زيادات إيجارية تلقائية، مستندًا إلى قانون حماية المستهلك، الذي يشترط بطلان البنود غير المتفاوض عليها خلال أول شهرين من توقيع العقد. هذا الطعن فتح الباب لإعادة تفسير أوسع للقانون من قبل المحكمة العليا النمساوية (OGH)، التي مهدت بدورها لهذا الحكم المصيري.
في عام 2023، قضت المحكمة العليا أن مبدأ التفاوض الفردي لا يقتصر فقط على عقود الشراء (ذات الالتزام المؤقت)، بل يشمل أيضًا عقود الإيجار (ذات الالتزام المستمر). غير أن التطور الجديد في الحكم الدستوري أن بند “تأمين القيمة” يُعد باطلًا بالكامل، وليس فقط خلال أول شهرين، إذا لم يتم التفاوض عليه تفصيليًا مع المستأجر.
الشركات العقارية في موقف دفاعي
قرار المحكمة جاء بمثابة صفعة قوية لشركات العقارات، التي كانت تعتبر “ربط الإيجار بالتضخم” أداة قانونية لحماية أرباحها وسط التقلبات الاقتصادية. وقد حاولت شركتان عقاريتان الطعن في القرار أمام المحكمة الدستورية، بدعوى أنه يتعارض مع الحق في الملكية الخاصة. إلا أن المحكمة رفضت ذلك، معتبرة أن الحُكم يحقق مصلحة عامة مشروعة تتعلق بحماية المستهلكين، لا سيما في ظل ضعف موقعهم التفاوضي مقارنة بالمؤجرين.
وأكدت المحكمة أن تقدير الأسعار واتجاهات التضخم في بداية العقد أمر ممكن، ولا يبرر فرض زيادات تلقائية غير تفاوضية، مشيرة إلى أن إلغاء البند بالكامل هو إجراء رادع متعمد لحماية السوق من استغلال الثغرات القانونية.
انتصار للعدالة التعاقدية
يرى خبراء القانون أن الحكم يمثل نقلة نوعية في فلسفة التعاقد التجاري، ويُعيد الاعتبار لمبدأ العدالة التعاقدية، الذي غالبًا ما يُهمل في العلاقة بين المستأجرين والمؤجرين. ويؤكد المحامي المختص بقوانين المستهلكين، د. ماركوس لانغر، أن “هذا القرار يضع حداً لممارسات استمرت لسنوات، كانت تُفرض فيها شروط أحادية على الطرف الأضعف دون نقاش أو تفاوض.”
ومع تصاعد التضخم وأسعار العقارات في السنوات الأخيرة، يشكّل هذا الحكم حماية إضافية لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، الذين يُعدّون الشريحة الأوسع من المستأجرين التجاريين.
ماذا بعد؟
من المتوقع أن تُراجع آلاف العقود التجارية الموقعة سابقًا في ضوء هذا الحكم، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من الدعاوى لاسترداد زيادات إيجارية تم فرضها دون تفاوض. كما يُنتظر أن تُعيد شركات العقارات النظر في نماذج عقودها، لتفادي الوقوع في فخ البطلان القانوني.
حكم المحكمة الدستورية ليس مجرد قرار قضائي، بل هو رسالة سياسية واجتماعية: التوازن في العقود لم يعد خيارًا، بل ضرورة، وممارسات الأمس لم تعد مقبولة في سوق يحترم حقوق جميع الأطراف.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار