الإثنين , 27 أبريل 2026

هل وصلت المساعدات إلى غزة فعلاً؟ وكم يحتاج القطاع فعلياً لتجاوز المجاعة؟

تحت ضغط الانتقادات الدولية المتزايدة، أعلنت الحكومة الإسرائيلية مؤخراً أنها سمحت بدخول مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، في محاولة لتخفيف وطأة الاتهامات بارتكاب جرائم تجويع جماعي. غير أن الوقائع الميدانية تكشف عن صورة مختلفة تماماً: فحجم المساعدات التي دخلت لا يقترب من الحد الأدنى المطلوب لتفادي المجاعة، وغالبها انتهى في يد عصابات مسلحة تعمل بتنسيق مع جيش الاحتلال، وسط حالة من الفوضى المقصودة التي تمنع وصول الإغاثة إلى مستحقيها.

فما حقيقة ما سُمح بدخوله من مساعدات؟ ومن يسيطر فعلياً على توزيعها؟ وما دور الاحتلال في تفكيك شبكات التوزيع وتأمين الغطاء للعصابات؟ وما حجم الفجوة بين الكميات المتاحة وما يحتاجه الفلسطينيون في القطاع فعلاً يومياً للبقاء على قيد الحياة؟

منذ 2 مارس/آذار الماضي، صعّد الاحتلال الإسرائيلي استخدامه لسلاح التجويع بشكل علني، بإغلاقه الكامل لكافة معابر قطاع غزة، منتهكاً اتفاق التهدئة الموقع في 18 يناير/كانون الثاني، والذي نص على إدخال 600 شاحنة مساعدات و50 شاحنة وقود يومياً إلى قطاع غزة.

منذ إغلاق المعابر بدأت المواد الغذائية تنفد تدريجياً من الأسواق. مع الوقت، تفاقمت معاناة السكان، وظهرت عليهم علامات واضحة لسوء التغذية، خصوصاً مع النقص الحاد في الحليب، اللحوم، الدواجن، والخضراوات. كما شمل الحظر دخول الأدوية ومستلزمات النظافة، ما أدى إلى تدهور خطير في الصحة العامة. ووفق تقارير طبية، فقد انهارت أجهزة المناعة لدى كثير من السكان، وأصبحت أجسامهم غير قادرة على مقاومة الأمراض المنتشرة.

إذ لم يعد الجسد الغزّي يملك ما يكفي من القوة لمواجهة الحياة، ناهيك عن مقاومة أبسط الأمراض. أجهزة المناعة انهارت تماماً، وأصبح الأطفال يصارعون المرض بلا دواء، وجوعاً بلا طعام. كبار السن يذبلون يوماً بعد يوم، يسقطون بصمت وسط عجز مطبق.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، أسفر هذا الحصار الغذائي الخانق عن موت 133 فلسطينياً، من بينهم 87 طفلاً، خلال هذه الفترة فقط. ويعود ذلك إلى منع الاحتلال إدخال أكثر من 80 ألف شاحنة مساعدات ووقود منذ مارس/آذار وحتى اليوم.

هل تم إدخال مساعدات مؤخراً؟

على وقع مشاهد الجوع والانهيار الإنساني غير المسبوق في قطاع غزة، والتي لم يعد ممكناً إنكارها حتى من قبل حكومات وصحف غربية يمينية تُعرف بدعمها للاحتلال، تصاعدت المطالبات الدولية لوقف سياسة التجويع التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. ومع تصاعد الضغوط من المؤسسات الأممية، والتحركات الشعبية الغاضبة في العالمين العربي والأوروبي، أعلن جيش الاحتلال، يوم السبت 26 يوليو/تموز، السماح بإدخال المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الشاحنات العالقة على الجانب المصري من معبر رفح، وذلك عبر معبر كرم أبو سالم.

لكن الإعلان، رغم ما رافقه من تغطية إعلامية وتصريحات سياسية، لم يعكس واقعاً حقيقياً لتخفيف الكارثة. فقد اقتصر إدخال المساعدات على 87 شاحنة فقط عبر كرم أبو سالم ومنفذ زيكيم شمال القطاع، وأشرفت إسرائيل على سرقتها، وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

أما عمليات الإسقاط الأولية التي شاركت فيها إسرائيل، الأردن، والإمارات، فلم تتجاوز في الواقع عدداً ضئيلاً من الشاحنات، وأسفرت عن إصابة ما لا يقل عن 10 أشخاص، وفقاً لتقرير المجلس الأطلسي الأمريكي.

وتحذر منظمات الإغاثة من أن هذه الإجراءات مجرد تشتيت بشع للأنظار، عدا عن كونها غير فعالة ومكلفة للغاية.

فقد وصف فيليبو لازاريني، المفوض العام لوكالة الأونروا، عمليات الإنزال الجوي بأنها “تشتيت للانتباه وتمويه”، مؤكداً أن “الجوع الذي تسبّب فيه البشر لا يمكن معالجته إلا عبر إرادة سياسية حقيقية”. ودعا السلطات الإسرائيلية إلى “إنهاء الحصار، وفتح المعابر، وضمان التنقل الآمن والوصول الإنساني الكريم للمحتاجين”.

من جانبه، قال سياران دونيلي، نائب رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، إن إسقاط المساعدات من الجو “لن يكون قادراً على تلبية حجم أو جودة المساعدات المطلوبة على الإطلاق”.

ورغم أن الإعلان الإسرائيلي عن السماح بدخول بعض المساعدات تزامن مع تصريحات رسمية مصرية تحدّثت عن إدخال مئات الشاحنات يومياً، إلا أن لجنة الطوارئ المركزية في قطاع غزة نفت صحة هذه الروايات، مؤكدة في بيان رسمي أن ما يُنشر من أرقام “لا يعكس الواقع إطلاقاً”، بل “يُساهم في تضليل الرأي العام و’تجميل صورة’ تقصير فادح ومؤلم في تلبية الحد الأدنى من احتياجات القطاع”.

وأشار البيان إلى أن التصريحات المصرية الأخيرة بشأن ما يُسمى بـ”الجهود لتخفيف المعاناة”، تُعد في جوهرها تبريراً للتقاعس عن أداء واجب إنساني وأخلاقي وعربي تجاه أهل غزة.

وأوضح البيان أن ما يُعلن عن دخول مساعدات عبر معبر رفح “لا وجود له على الأرض”، وأن عمليات الإخلاء الطبي لا تغطي إلا نسبة ضئيلة من الجرحى والمرضى، وتتم بآليات بطيئة ومهينة.

كما حمّل البيان السلطات المصرية مسؤولية تقاعسها الإنساني، داعياً إلى فتح فوري وغير مشروط لمعبر رفح، وإلغاء التنسيق المعقّد الذي يعيق دخول الإغاثة والوقود، مع المطالبة بنشر الأرقام الحقيقية بدلاً من “صناعة وهم التضامن”.

واختتمت اللجنة بيانها بدعوة مصر إلى الخروج من موقع “الوسيط المحايد” والانحياز إلى موقف أخلاقي حاسم، يليق بثقلها و”دورها العربي، وموقعها الطبيعي، وواجبها القومي، ودورها الذي ينتظره الفلسطينيون والعرب جميعاً”.

ورغم الشهادات الدولية والوقائع الميدانية، يواصل رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو — المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب — إنكار مسؤولية حكومته عن سياسة التجويع، ويقول: “يُصوَّر الأمر وكأن إسرائيل تشن حملة تجويع في غزة. يا لها من كذبة صارخة. لا توجد سياسة تجويع، ولا توجد مجاعة في غزة.”

هذا في وقت كانت فيه الشاشات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي تعرض صور أطفال بوجوه غائرة وعيون غائرة.

وقد تبع تصريحاته تكذيب حتى من داخل أكثر الدول الداعمة لإسرائيل. إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: “بعض هؤلاء الأطفال، هذا هو الجوع الحقيقي… لا يمكنك تزييف ذلك”، داعياً إسرائيل إلى السماح بدخول “كل ذرة غذاء” إلى غزة.

المصدر – وكالات – شبكة رمضان الإخبارية

 

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!