فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في مواجهة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ المنظمة الدولية، يواجه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أشرس حملة دبلوماسية وإعلامية منذ توليه منصبه عام 2017، وذلك على خلفية مواقفه الجريئة تجاه العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، والذي وصفه مؤخرًا بـ”الإبادة الجماعية” و”العقاب الجماعي”، مثيرًا غضب إسرائيل، وامتعاض قوى غربية في مقدمتها الولايات المتحدة.
وبات غوتيريش، الاشتراكي البرتغالي السابق، رمزًا نادرًا للموقف الأخلاقي داخل منظومة دولية مهتزّة، بعدما اختار أن يتحدث بلسان الضحايا لا بلغة التوازنات السياسية. لكن ثمن هذا الموقف كان باهظًا: هجمات غير مسبوقة، ومطالب علنية بعزله، وحملات تحريض يقودها اللوبي الإسرائيلي، مدعومة بوسائل إعلام غربية نافذة.
إسرائيل تعلن غوتيريش “شخصًا غير مرغوب فيه”
لم يسبق أن بلغ التوتر بين الأمم المتحدة وإسرائيل هذا الحد من التصعيد. فبعد أن اتهم غوتيريش إسرائيل علنًا بانتهاك القانون الدولي في غزة، واصفًا عملياتها بأنها “عقاب جماعي للشعب الفلسطيني”، ردت تل أبيب بإعلان الأمين العام شخصًا غير مرغوب فيه، ودعت رسميًا إلى عزله من منصبه، متهمةً إياه بـ”التحيز السافر لحماس”.
واتّهم مسؤولون إسرائيليون بارزون غوتيريش بأنه “تخلى عن حياده”، في حين وصفته الصحافة الإسرائيلية بـ”خطر أخلاقي على الأمم المتحدة”. كما سحبت إسرائيل تعاونها مع بعض الهيئات الأممية، في خطوة اعتُبرت بمثابة ابتزاز سياسي للمؤسسة الدولية.
واشنطن تنضم للهجوم: تقويض الصلاحيات أم محاسبة الضمير؟
لم يقتصر الضغط على إسرائيل. فقد بدأت واشنطن حملة مضادة ضد غوتيريش، ووجهت إليه اتهامات مبطنة بعدم النزاهة، وبتجاوز حدود وظيفته التنفيذية، فيما لمّح بعض أعضاء الكونغرس إلى ضرورة تقييد صلاحياته أو حتى دفعه للاستقالة.
ويرى مراقبون أن هذا الهجوم الأمريكي ليس فقط ردًا على موقف غوتيريش من غزة، بل أيضًا جزء من صراع أوسع على من يتحكم في خطاب الأمم المتحدة وشرعية قراراتها. فالولايات المتحدة التي تموّل جزءًا كبيرًا من موازنة المنظمة، تجد في المواقف المستقلة تهديدًا لنفوذها داخل أروقة نيويورك.
الرجل الذي لم يساوم: غوتيريش يختار الانحياز للضحايا
رغم كل الضغوط، لم يتراجع غوتيريش عن كلماته، بل كرر في أكثر من مناسبة أن ما يحدث في غزة “كارثة إنسانية غير مسبوقة”، وأن هناك “استهتارًا غير مقبول بالقانون الدولي والكرامة الإنسانية”.
وفي واحدة من تصريحاته التي أثارت زلزالاً دبلوماسيًا، قال غوتيريش من على منبر الأمم المتحدة:
“ما يجري في غزة ليس مجرد عمليات عسكرية. إنه تدمير ممنهج لحياة أكثر من مليوني إنسان. لا يمكننا التزام الصمت أكثر من ذلك.”
موقفٌ أعاد للأذهان رموزًا أممية رفضت الانحناء للعواصف السياسية، مثل داغ همرشولد وسيرجيو فييرا دي ميلو. لكنه أيضًا موقف قد يُقصيه من المشهد السياسي الدولي، وقد يمنع إعادة انتخابه، وهو الأمر المرجح بعد انتهاء فترته الحالية في 2026.
هل يدفع غوتيريش ثمن استقلاله؟
تحوّل غوتيريش، وفق مراقبين، إلى “ضمير الأمم المتحدة الأخير”، لكنه يواجه آلة دعائية ضخمة تحاول شيطنته، وتجريده من المصداقية أمام الرأي العام الدولي. فوسائل إعلام غربية بارزة بدأت تشويه سمعته، والتشكيك في أهليته الأخلاقية، بل ومحاولة ربطه زورًا بجهات معادية لإسرائيل.
وفي الوقت الذي صمتت فيه حكومات كثيرة، خرجت منظمات إنسانية وحقوقية عالمية تدافع عن غوتيريش وتثمّن شجاعته، معتبرة أن موقفه “أعاد للمنظمة شيئًا من هيبتها ومصداقيتها في وقت يتواطأ فيه العالم مع المجازر”.
كلمة أخيرة: عندما ينتصر المبدأ على المنصب
قد لا يُعاد انتخاب أنطونيو غوتيريش أمينًا عامًا للأمم المتحدة، وقد يخرج من منصبه تحت ضغط حملة مدروسة لتقويضه، لكن ما لا شك فيه أنه اختار أن يغادر بكرامة، لا بصمت، وأن يكون شاهدًا حقيقيًا على واحدة من أبشع المجازر في القرن الحادي والعشرين.
وفي زمن باتت فيه اللغة الأممية معقّمة وباردة، بدا صوت غوتيريش كصرخة نادرة للعدالة من داخل أكثر مؤسسات العالم الرسمية بيروقراطية وجمودًا.
شبكة رمضان الإخبارية ستواصل تغطية مواقف الأمم المتحدة وتداعياتها على القضية الفلسطينية، في وقت يشهد فيه الضمير العالمي اختبارًا قاسيًا بين المبادئ والمصالح.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار