فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
أثارت واقعة غريبة وغير مسبوقة في ملاعب كرة القدم النمساوية موجة من الجدل والغضب، بعدما تم إنذار مدرب حراس مرمى في دوري كيرنتن المحلي، بسبب تحدثه باللغة السلوفينية، وهي إحدى اللغات المعترف بها رسميًا في المنطقة. الحادثة وقعت خلال مباراة جمعت فريقي SAK كلاغنفورت وFerlach، وتحوّلت بسرعة إلى قضية رأي عام، دفعت اتحاد الحكام إلى تقديم اعتذار رسمي.
“هنا نتحدث الألمانية فقط”
في الشوط الأول من المباراة، وجه يوهان سمريتشنك، مدرب حراس مرمى فريق SAK، حديثًا باللغة السلوفينية إلى أحد لاعبي الفريق الخصم. لكن المفاجأة جاءت من حكم الراية، الذي صاح في وجهه قائلاً: “على هذا الملعب تُتحدث الألمانية فقط“.
وعلى الرغم من أن الحديث جرى بين شخصين من أصول سلوفينية، عاد الحكم المساعد وكرر اعتراضه، قبل أن يتدخل الحكم الرئيسي ويُشهر بطاقة صفراء في وجه المدرب، في مشهد صادم أثار استياء الفريق والمشجعين.
نادي SAK يندد: “تضييق ممنهج على السلوفينيين”
نادي SAK كلاغنفورت، المعروف تاريخيًا بكونه ممثلًا للأقلية السلوفينية في كيرنتن، أصدر بيانًا أعرب فيه عن “حزن عميق واستياء بالغ”، معتبرًا أن ما حدث يكرّس التمييز ضد الناطقين بالسلوفينية، ومطالبًا بسحب البطاقة الصفراء فورًا.
وقال ماركو فيزر، رئيس النادي، إن الحادثة “مؤلمة وغير مقبولة”، بينما عبّر المدرب ريشارد هوبر عن تضامنه مع زميله الذي شعر بالإهانة وفقد الرغبة في متابعة المباراة. كما أكد النادي أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي ضمن سياق طويل من التضييق الثقافي واللغوي.
تبريرات الحكم المساعد لم تقنع أحدًا
ورغم امتناعه في البداية عن التعليق، قال الحكم المساعد لاحقًا لصحيفة “كرونه” إنه شعر بأن الحديث بالسلوفينية كان بنبرة عدائية، وخشي أن تحتوي على شتائم لا يمكنه فهمها، ولذلك طلب استخدام الألمانية لضمان وضوح التواصل.
غير أن هذه التبريرات قُوبلت برفض واسع، حيث اعتُبرت تعبيرًا ضمنيًا عن عدم الثقة بالناطقين بلغات الأقليات، وانتهاكًا لقيم التعددية الثقافية التي يفترض أن تحترمها الرياضة في النمسا.
الاتحاد المحلي يعتذر ويقر بالخطأ
وتحت وطأة الانتقادات، أصدرت لجنة حكام كيرنتن/أوستتيرول بيانًا رسميًا اعترفت فيه بخطأ الحكم، وقدّمت اعتذارًا إلى نادي SAK وكل المعنيين.
وجاء في البيان أن “الواقعة كانت نتاج توتر لحظي، دون نية للإساءة أو التمييز”، مؤكدًا أن الحكم المساعد لم يكن يحق له منع استخدام السلوفينية بين المدرب واللاعب.
كما أعلنت اللجنة عن تعليمات جديدة تم تعميمها على جميع الحكام، تقضي بأن اللاعبين والمدربين أحرار في استخدام أي لغة بينهم، بينما يُلزم الحديث بالألمانية فقط في التواصل مع طاقم التحكيم.
اللغة السلوفينية.. أكثر من مجرد وسيلة تواصل
اللغة السلوفينية ليست مجرد أداة للتواصل في كيرنتن، بل هي رمز للهوية والحقوق الثقافية للأقلية السلوفينية، التي تناضل منذ عقود لإثبات وجودها في النسيج النمساوي.
وقد تأسس نادي SAK عام 1970 على يد طلاب من المدارس الثانوية السلوفينية، وكان لأجيال طويلة منبرًا رياضيًا وثقافيًا لهذه الأقلية، ومبارياته كثيرًا ما حملت طابعًا رمزيًا في الدفاع عن التعدد اللغوي وحقوق المواطنة المتساوية.
وفي هذا السياق، اعتبر سيلفو كومر، الأمين العام للنادي، أن تصريحات الحكم كانت “غير حساسة” و”استفزازية”، خاصة أنها جاءت بعد ساعات من مظاهرة ضد التمييز في كلاغنفورت، وبعد أيام فقط من اقتحام موقع بيرشمانهوف التاريخي المرتبط بذاكرة الأقلية السلوفينية.
خاتمة
حادثة “البطاقة الصفراء بسبب اللغة” كشفت مجددًا عن الهشاشة الكامنة في التعايش الثقافي داخل بعض مناطق النمسا، وطرحت تساؤلات جوهرية حول مدى تقبّل التعددية واحترام الحقوق اللغوية المعترف بها دستوريًا.
وفيما يبقى الاعتذار الرسمي خطوة أولى مهمة، فإن الأهم هو ترسيخ ثقافة الاحترام والتنوع في كل ميادين الحياة – بما في ذلك ملاعب كرة القدم.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار