فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
بينما اعتادت شواطئ غزة أن تستقبل قوافل إنسانية لكسر الحصار، تستعدّ الآن لاستقبال سفينة من نوع مختلف تمامًا: سفينة تحمل عائلات جنود الاحتلال الإسرائيلي الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية، متجهة رمزيًا نحو سواحل القطاع في محاولة للضغط على الحكومة الإسرائيلية لإتمام صفقة تبادل أسرى طال انتظارها.
لكن هذه السفينة، التي أطلق عليها ناشطون اسم “سفينة الجلادين”، لا تحمل مساعدات إنسانية، بل رسالة ابتزاز سياسي، تُوظّف فيها معاناة الأسر بشكل انتقائي، وتُغفل المعاناة الأكبر التي يعيشها سكان القطاع المحاصر منذ أكثر من 18 عامًا، والمتعرض لهجوم غير مسبوق منذ السابع من أكتوبر.
رمزية مضادة للقوافل الإنسانية
من حيث الشكل، قد تبدو الرحلة مشابهة لجهود التضامن العالمية التي حملت نشطاء وسفن إغاثة إلى غزة على مدى سنوات، لكن من حيث الجوهر، تقلب السفينة المعادلة الأخلاقية رأسًا على عقب. فبدلًا من دعم المحاصرين، تسعى لاسترداد من شاركوا في حصارهم وقصفهم، دون مساءلة أو اعتراف بالجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
وفي الوقت الذي يُمنع فيه الفلسطينيون من التنقّل بحرًا أو برًا أو جوًا، تتجه هذه السفينة إلى مشارف القطاع في مشهد استفزازي يحمل رمزية استعمارية، تُصوّر الجلاد ضحية، وتحاول قلب الحقائق على وقع الدعاية السياسية.
صفقة جاهزة… ورئيس متردد
تأتي هذه الخطوة بعد تصريحات لافتة من جيرشون باسكين، الوسيط الإسرائيلي السابق في صفقة تبادل الأسير جلعاد شاليط، الذي كشف في حديث إعلامي أن الصفقة الجديدة “جاهزة” من الناحية الفنية، لكن ما يعرقلها هو تردد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقال باسكين:
“لو أراد نتنياهو، لعاد الأسرى غدًا… المشكلة ليست في حماس بل في الحسابات السياسية داخل الحكومة.”
وتمثل هذه التصريحات صفعة جديدة لنتنياهو، الذي يتعرّض لضغوط متزايدة من عائلات الجنود الأسرى، وفي الوقت نفسه يواجه أزمة ثقة داخل المجتمع الإسرائيلي، تضعف موقفه السياسي وتُعقّد فرص بقائه في السلطة.
غزة: الصمود قبل المساومة
في المقابل، تؤكد فصائل المقاومة الفلسطينية أن “الثمن هذه المرة لن يكون سهلاً”، مشيرة إلى أن غزة التي صمدت تحت القصف والحصار لن تتنازل بسهولة في مفاوضات الأسرى.
وتعتبر الفصائل أن المقاومة تملك ورقة تفاوض استراتيجية لن تُفرّط فيها، وأن أي صفقة لا بد أن تشمل إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين، وبينهم أسرى قدامى ونساء وأطفال ومرضى.
دعاية إسرائيلية بوجه إنساني زائف
يرى مراقبون أن السفينة مجرد أداة ضغط رمزية، تهدف إلى تأليب الرأي العام الإسرائيلي على الحكومة، وتصوير حركة حماس كجهة “رافضة للحلول” رغم كل الشهادات الدولية والإسرائيلية التي تُشير إلى العكس.
ويحذّر محللون من أن الاستخدام السياسي لعائلات الأسرى في إسرائيل لم يعد مقتصرًا على الخطابات، بل بات يأخذ أشكالاً مسرحية، لا تخلو من النفاق الإنساني، إذ يتم تجاهل معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت حصار خانق، بينما تُوجَّه كل الأضواء نحو أربعة جنود مفقودين.
من يملك الحق في الاقتراب من غزة؟
يبقى السؤال الأخلاقي المطروح أمام هذه المشاهد:
من يملك شرعية الاقتراب من غزة؟ الضحية المحاصَرة، أم الجلاد الذي يحاصرها؟
في ميزان الإنسانية والعدالة، لا بد أن تكون الأولوية للضحايا الحقيقيين، لا لمن شاركوا في تجويعهم وقصف منازلهم، ثم ظهروا على متن سفينة يرفعون شعارات الألم، ويتجاهلون الألم الأكبر على الضفة الأخرى.
تعليق خبير:
يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط، د. ماركوس شنايدر، أن هذه الخطوة تحمل “خطر تطبيع الرواية الصهيونية حول الأسرى”، ويضيف:
“حين يُصوّر الجندي المعتدي كضحية، ويتم تجاهل آلاف الأسرى الفلسطينيين، فإننا أمام مشهد دعائي بامتياز، لا علاقة له بالقانون الدولي أو الأخلاق الإنسانية.”
خلاصة:
بينما تبحر سفينة “الجلادين” نحو غزة، محمّلة بالشعارات والضغوط، يبقى البحر شاهدًا على تناقضات الرواية الإسرائيلية، حيث يُغضّ الطرف عن المذبحة، ويُسلّط الضوء فقط على من شارك فيها.
إنه قافلة بلا ضمير، ترفع لواء الإنسانية الزائفة في وجه مدينة تحترق.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار