فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في حوار مع صحيفة “كوريير” النمساوية، تحدث غابرييل بونين، مدير معهد الدراسات العليا (IHS) في فيينا، عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه النمسا، بدءًا من نظام التقاعد، مرورًا بالتضخم والضرائب، وصولًا إلى قضية العمل الجزئي ومستقبل الذكاء الاصطناعي.
كوريير: كثيرون يرون أن البلاد تعيش حالة جمود، وأن الإصلاحات الكبرى نادرة. هل تخشى السياسة من الناخبين؟
بونين: الإصلاحات الكبرى لا تحدث إلا عند وجود ضغط قوي. اليوم لدينا هذا الضغط بسبب الشيخوخة السكانية والأزمة المالية. لذلك الوقت مناسب الآن لإصلاحات كبيرة في مجالات الصحة، التعليم والتقاعد، بعيدًا عن الوضع العالمي الذي يزيد الطين بلة.
كوريير: لماذا تراجعت النمسا اقتصاديًا مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى؟
بونين: نحن نشهد تراجعًا بطيئًا. السبب أن بلدانًا أخرى لحقت بنا، إضافة إلى وجود مشكلات هيكلية معروفة منذ زمن طويل لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها. من أمثلة ذلك: صلابة نظام الشراكة الاجتماعية، تأخر إصلاح سن التقاعد، وتعقيدات الفيدرالية.
كوريير: هل هناك إصلاحات مطلوبة لمواجهة هذا التراجع؟
بونين: نعم. نحتاج إلى خفض تكاليف العمالة، زيادة الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وتوسيع رعاية الأطفال، حتى يتمكن الآباء والأمهات من التوفيق بين العمل والأسرة. كذلك يجب أن نعترف بأننا سنعمل لفترة أطول مع ارتفاع متوسط العمر.
كوريير: هل تؤيد تدخل الدولة في أسعار المواد الغذائية؟
بونين: لا، التدخل الحكومي في الأسعار غالبًا ما يفشل ويؤدي إلى نقص أو تدهور الجودة. المشكلة ليست في التجار فقط، بل في نمط الاستهلاك؛ فالنمساويون يفضلون وجود سوبرماركت قريب بدلًا من قيادة مسافات طويلة. هذه “الرفاهية” تكلفهم غاليًا. دور الدولة يجب أن يقتصر على دعم الفئات الأكثر تضررًا من التضخم.
كوريير: هل تؤيد فرض ضريبة على الثروة أو الميراث؟
بونين: مشكلتنا الأساسية هي الإنفاق، لا الضرائب. لكن يمكننا إجراء إصلاح ضريبي هيكلي: تخفيف العبء عن العمل وزيادة الضرائب المعتدلة على الثروة والأراضي وربما الميراث. لكن هذه العائدات يجب أن تذهب لتخفيف الأعباء عن الطبقة العاملة والاستثمار في التعليم، لا لسد عجز الميزانية فقط.
كوريير: البعض يرى أن زيادة العمل الجزئي خطر على الاقتصاد. ما رأيك؟
بونين: صحيح، زيادة العمل الجزئي تقلل إمكانيات النمو، خصوصًا مع تقلص القوى العاملة. لكنه أيضًا “ظاهرة رفاهية” في بعض الحالات، حيث يختار البعض العمل بدوام جزئي لأنه يستطيع تحمل ذلك. المشكلة تظهر عندما يضطر آخرون للعمل بدوام كامل ومع ذلك بالكاد يكفي دخلهم للعيش. هنا يبرز خطر الانقسام الاجتماعي.
كوريير: هل الحل في فرض “حق العمل بدوام كامل”؟
بونين: الأفضل هو معالجة جذور المشكلة: تحسين رعاية الأطفال وتخفيف الضرائب على أصحاب الدخول المتوسطة. كما يجب تشجيع الشركات على تقديم وظائف كاملة مرنة بدلًا من الاكتفاء بالجزئي. القضية ليست فقط عدد ساعات العمل، بل أيضًا متى وأين نعمل.
كوريير: هل سنضطر إلى العمل حتى سن السبعين؟
بونين: لا أريد تحديد عمر معين، بل نحتاج إلى قاعدة واضحة تربط سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع. لكن يجب أن يكون النظام مرنًا؛ فالعامل في الرعاية الصحية الذي ينهك جسده مبكرًا لا يمكن مساواته بموظف مكتب يعيش حياة أقل إجهادًا.
كوريير: ماذا عن استغلال “قاعدة العمل الشاق” من قبل فئات لا تستحقها؟
بونين: هذا صحيح. لذلك يجب أن يكون المعيار هو الحالة الصحية لا مجرد المهنة.
كوريير: هل الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف؟
بونين: لا أرى فيه “سلاح دمار شامل للوظائف”. بل هو تغيير هيكلي يحتاج إلى برامج تدريب وتأهيل. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد، مثلًا في تقليل عبء التوثيق على الممرضين ليتفرغوا أكثر لرعاية المرضى. لكن لا يمكن أن يحل محل الإنسان في مجالات إنسانية بالكامل.
كوريير: أخيرًا، ما الذي أعجبك في فيينا وما الذي أقلقك منذ قدومك؟
بونين: أعجبتني مكانة الثقافة الكلاسيكية من موسيقى وأوبرا ومسرح. أما ما يرهقني كألماني شمالي فهو حرارة الصيف الشديدة هنا.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار