فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في حوار مطوّل مع قناة oe24.TV مساء الاثنين، عاد المستشار النمساوي الأسبق سيباستيان كورتس (ÖVP) إلى أبرز الملفات السياسية التي طبعت العقد الماضي: أزمة اللاجئين عام 2015، سياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي، الحرب في أوكرانيا، ودور أوروبا أمام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كورتس، الذي كان حينها وزيرًا للخارجية في خضم أزمة 2015، لم يُخفِ انتقاداته للقيادة الأوروبية، معتبرًا أن القارة العجوز تتحرك اليوم في ملفات كبرى “كدور ثانوي أو مجرد راكب”.
وفيما يلي نص الحوار كما ورد على صيغة سؤال وجواب
oe24.TV: السيد كورتس، قبل عشر سنوات بالضبط بلغت أزمة اللاجئين في أوروبا ذروتها. ما هو الحدث الأكثر تأثيرًا بالنسبة لك حينها؟
كورتس: كانت هناك لحظات كثيرة مؤثرة. لكن اللحظة التي أدرك فيها كثيرون أن الأمور لن تسير على هذا النحو، كانت عندما تدفقت حشود هائلة عبر الحدود، ووقف شرطي عاجزًا أمام الأعداد وهو يصرخ: “قفوا، قفوا.. أنتم بحاجة إلى جواز سفر.”
oe24.TV: ما كان انطباعك في البداية؟ هل قلت لنفسك فورًا إن هذا لن ينجح؟
كورتس: نعم، كان لدي هذا الشعور منذ البداية. أولاً، لأني عملت سابقًا في مجال الاندماج وأعرف أن نجاح الاندماج يتوقف بالأساس على عدد الأشخاص الذين يجب دمجهم. ثانيًا، لأنني كنت وزيرًا للخارجية وأزور الشرق الأوسط كثيرًا. وهناك – في دول إسلامية – قالوا لي بوضوح: “لا يمكنكم استقبال الناس عشوائيًا، أنتم لا تعرفون حتى من يأتي إليكم.”
oe24.TV: هل كان تصريح أنغيلا ميركل الشهير “نستطيع أن ننجز ذلك” هو الخطأ الكبير؟
كورتس: كانت هناك أخطاء عديدة وكبيرة. ذلك التصريح كان مجرد تلخيص لها في جملة واحدة.
oe24.TV: كيف كان ينبغي التعامل مع الوضع في ذلك الوقت؟
كورتس: مثل أي أزمة أخرى أو حرب في العالم. يُفترض أن تتم المساعدة في مكانها، وأن تتم مساندة الدول المجاورة.
oe24.TV: كيف تغيّرت أوروبا والنمسا خلال هذه السنوات العشر؟
كورتس: للأسف كثيرًا. أنا أقضي الآن وقتًا طويلًا في الشرق الأوسط، في إسرائيل والإمارات مثلًا. وهناك ترى كيف تحقق الدول نجاحًا اقتصاديًا سريعًا عندما تجذب أفضل المواهب. بينما في أوروبا شهدنا في السنوات الأخيرة هجرة أعداد كبيرة من أشخاص غير مؤهلين، كثير منهم لا يجيد حتى القراءة والكتابة بلغته الأم.
oe24.TV: رغم ذلك، ما زال الاتحاد الأوروبي عاجزًا عن إيجاد خط موحّد في سياسة الهجرة. ما السبب؟
كورتس: تغيّر الكثير بالفعل. في 2015، عندما قلت أنا وآخرون إن سياسة الحدود المفتوحة لن تنجح، صُوّرنا كمتطرفين يمينيين. اليوم تغيّرت المواقف الرسمية تقريبًا كلها. المشكلة أن الأفعال لا تواكب الأقوال، وهناك عجز في الشجاعة السياسية فضلًا عن قيود قانونية.
oe24.TV: هل أزعجك أن يُنظر إليك آنذاك كمتطرف يميني؟
كورتس: مضى على ذلك عشر سنوات. أعتقد أنني تجاوزت الأمر، لكن في حينها كان ذلك صعبًا جدًا.
oe24.TV: الآن، حزبك ÖVP في ائتلاف مع الاشتراكيين SPÖ والليبراليين NEOS. ألم تكن حكومة مع حزب الحرية FPÖ ستكون أكثر منطقية خصوصًا في ملف الهجرة؟
كورتس: بالطبع في هذه المسألة نعم. لطالما كنت من أنصار حكومة يمين-وسط، وسأظل كذلك. لكن مفاوضات تشكيل الحكومة آنذاك لم تنجح ببساطة.
oe24.TV: أحد أسباب ذلك أن حزبك رأى أن زعيم FPÖ هربرت ككل يمثل خطرًا أمنيًا. هل تتفق مع هذا الرأي؟
كورتس: كانت هناك مفاوضات مع ككل وكريستيان شتوكر، وكان انطباعي أن حزب الحرية لم يُبدِ الإرادة الكافية لتشكيل تلك الحكومة.
oe24.TV: ننتقل إلى أوكرانيا: التقى ترامب ببوتين، ويلتقي قادة الاتحاد الأوروبي مع زيلينسكي وترامب. هل ترى فرصة للسلام؟
كورتس: لا أحد يعرف. لكنني أرفض الانضمام إلى جوقة من يقولون إن اللقاء كان بلا جدوى. أنا مقتنع أن الحرب لا تُحسم إلا على طاولة المفاوضات. هل هو سهل؟ لا. هل من الجيد أن يحاول ترامب؟ نعم. أعتقد أنه يريد ذلك بجدية. لكن النجاح يعتمد على مدى استعداد بوتين.
oe24.TV: كيف ترى ترامب وولايته الثانية؟
كورتس: الأمر يحتاج وقتًا لتفصيله. لكن يكفي أن نقول: النجاح في أن يصبح المرء رئيسًا للولايات المتحدة مرتين هو إنجاز بحد ذاته. إنه سياسي غير تقليدي للغاية، مباشر جدًا، يهتم بالنتائج أكثر من العمليات.
oe24.TV: هل ما زال لأوروبا دور في هذه المفاوضات؟
كورتس: أوروبا تعتقد دائمًا أنها أكثر أهمية مما هي عليه بالفعل. وللأسف، لم تتصرف بذكاء. تجاهلت ترامب لسنوات واعتبرته غير كفؤ، ثم ارتبكت فجأة عندما أصبح رئيسًا. وفي الوقت نفسه دخلت في مواجهة مع روسيا واستبعدت الصين. هذه ليست استراتيجية ذكية. أوروبا الآن مجرد راكب في هذه القضايا.
oe24.TV: ما الذي يمكن أن تتعلمه أوروبا من ترامب؟
كورتس: لا يمكن المقارنة بين الولايات المتحدة وأوروبا بشكل كامل. لكن ما تحتاجه أوروبا هو التركيز مجددًا على النجاح الاقتصادي، وإعادة بناء قاعدة ثقة مع مناطق أخرى من العالم بدل التجول ورفع الأصابع لاتهام الآخرين.
oe24.TV: أخيرًا، بما أنك تتواجد كثيرًا في إسرائيل، هل لديك تفهّم لما تقوم به إسرائيل في غزة؟
كورتس: من المؤسف دائمًا أن تعاني الشعوب المدنية في أي حرب، وهذا يحدث في كل النزاعات. أما بالنسبة لحماس: فهي منظمة إرهابية سببت معاناة هائلة، وأتمنى أن يكون هناك إدراك مشترك لذلك.
ويلاحظ مراقبون أن مقابلة كورتس مع oe24.TV جاءت في توقيت استراتيجي يتيح له تلميع صورته السياسية، لا سيما بعد عشر سنوات من أزمة اللاجئين التي أثارت جدلاً واسعاً حول سياساته. فقد ركز كورتس على تصوير نفسه كقائد حذر ومطلع، اعترض مبكراً على سياسات استقبال اللاجئين بلا ضوابط، وقدم نفسه كشخص يملك “رؤية واقعية” للتحديات الأوروبية في مجال الهجرة. كما حاول أن يظهر بمظهر الخبير في السياسة الخارجية والاقتصاد، مستعرضاً خبراته في الشرق الأوسط ومقارنة أوروبا بدول ناجحة مثل الإمارات وسنغافورة، ما يعزز صورته كسياسي ذو كفاءة دولية. هذا الأسلوب يهدف بوضوح إلى إعادة تشكيل انطباع الجمهور عنه، من مجرد سياسي محلي إلى شخصية ذات وزن واستراتيجية على المستوى الأوروبي والدولي.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار