الإثنين , 27 أبريل 2026

النمسا تُحيي ذكرى 75 عامًا على إلغاء الإعدام.. قصة “مشنقة الخنق” التي خنقت آخر مدان في 1950

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

تحتفل النمسا هذا العام بمرور 75 عامًا على إلغاء عقوبة الإعدام في القضايا الجنائية العادية، في ذكرى تحمل في طياتها تاريخًا طويلًا من الجدل حول العدالة والإنسانية وأسلوب تنفيذ الأحكام. فقد أُعدم آخر شخص في البلاد، وهو يوهان ترنكا (Johann Trnka) المدان بالقتل والسطو، يوم 24 مارس 1950 باستخدام ما عُرف بـ “مشنقة الخنق” (Würgegalgen)، وهي وسيلة إعدام فريدة في التاريخ النمساوي استُخدمت منذ العهد الإمبراطوري وحتى منتصف القرن العشرين.

من الإمبراطورية إلى “الجمهورية الثانية”

ورغم أن الحرب العالمية الأولى جعلت من “مشنقة الخنق” رمزًا لقمع الحكم الهابسبورغي، إلا أن النمسا واصلت استخدامها في فترات لاحقة، بما في ذلك عهد “الدولة النقابية” (Ständestaat) ثم “الجمهورية الثانية” بعد الحرب العالمية الثانية.

وبحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA)، ألغيت عقوبة الإعدام رسميًا في 24 مايو 1950 في القضايا العادية، بينما جاء الإلغاء الكامل في مطلع عام 1968، حين أقر الدستور النمساوي مادة واضحة تقول ببساطة:

“عقوبة الإعدام مُلغاة.”

متحف الجريمة في فيينا يوثق الذاكرة السوداء

في متحف الجريمة في فيينا (Wiener Kriminalmuseum)، تُعرض اليوم بقايا “مشنقة الخنق” الأصلية التي نفذت عليها أحكام عدة، وتثير لدى الزوار مزيجًا من الرعب والدهشة. يروي مدير المتحف هارالد سايرل (Harald Seyrl) قصة زائر عجوز كان يتأمل أحد الأعمدة الحديدية المعروضة، فلما سُئل عن سبب انفعاله أجاب:

“على هذه المشنقة بالذات، كدت أن أُشنق أنا نفسي.”

كان ذلك الزائر هو يوليوس كاوزل (Julius Kausel)، الذي اتُهم خطأً عام 1949 بقتل سيدة الأعمال بلانش ماندلر، وواجه خطر الإعدام قبل أن تثبت براءته لاحقًا.

“موت بطيء” اعتُبر إنسانيًا

وعلى عكس “المشنقة الإنجليزية” التي تكسر عنق المدان بسرعة، كانت المشنقة النمساوية تؤدي إلى خنق الضحية تدريجيًا حتى الموت. منذ عام 1876 أصبحت هذه الوسيلة الطريقة الرسمية للإعدام في الإمبراطورية النمساوية المجرية، وكان يُعتبر تنفيذها آنذاك “إنسانيًا” مقارنة بالأساليب السابقة.

وفي تلك الفترة، تحول دور الجلاد من “منفّذ للعقوبة أمام الجمهور” إلى موظف رسمي تابع للدولة، بعد أن كانت الإعدامات تُنفّذ علنًا في الساحات العامة حتى عام 1868. بعدها أصبحت تتم خلف جدران مغلقة بعيدًا عن أعين الناس.

الإعدام كأداة دعائية في زمن الحرب

وخلال الحرب العالمية الأولى، استعادت “مشنقة الخنق” طابعها الاستعراضي المروع عندما استخدمتها القوات النمساوية في تنفيذ إعدامات علنية في صربيا بحق مدنيين، من بينهم القومي الإيطالي تشيزاري باتيستي (Cesare Battisti) الذي أُعدم بتهمة الخيانة العظمى.

وأظهرت الصور التي التُقطت آنذاك الجلاد جوزيف لانغ (Josef Lang) وهو يبتسم خلف جثة باتيستي المعلقة، ما أثار موجة غضب في أوروبا ضد الحكم الهابسبورغي بدل أن يكون مشهدًا للردع.

من المشهد الدموي إلى الإلغاء الدستوري

بعد انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية، أُلغيت عقوبة الإعدام لفترة وجيزة، ثم عادت عبر المحاكم العرفية في ثلاثينيات القرن الماضي خلال “الدولة النقابية”. وبعد الحرب العالمية الثانية، نفذت “الجمهورية الثانية” 43 حكم إعدام، جميعها باستخدام “مشنقة الخنق”. وكان آخرها إعدام يوهان ترنكا في مارس 1950، قبل أن تُلغى العقوبة رسميًا بعد شهرين فقط.

وفي 29 فبراير 1968 دخلت المادة 85 من الدستور النمساوي حيز التنفيذ، لتنهي تمامًا هذا الفصل المظلم من تاريخ العدالة النمساوية، وتكرّس البلاد كواحدة من أوائل الدول الأوروبية التي حظرت الإعدام بشكل قاطع.

اليوم، بعد مرور سبعة عقود ونصف، تواصل النمسا تذكير العالم بأن العدالة لا تُقاس بعدد المشنقات، بل بقدرتها على صون الحياة والكرامة الإنسانية.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!