الإثنين , 27 أبريل 2026

أزمة أرقام أم أزمة إدارة؟.. فوضى مالية تضرب ميزانيات الولايات في النمسا

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

تعيش النمسا هذا الأسبوع على وقع فوضى مالية غير مسبوقة بعد ظهور معطيات جديدة تكشف أن الولايات تتجه نحو تسجيل عجز أعلى بكثير مما كان مُقدّرًا، وسط غياب رؤية واضحة من الحكومة الفيدرالية والولايات حول حقيقة الوضع المالي. ونقلت صحيفة شتاندرد أن التقديرات الجديدة ترفع نسبة العجز الوطني من 4.5% إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل ثمانية أسابيع فقط من نهاية العام، وهو ما يقلب الخطة المالية رأسًا على عقب.

وتكشف الأزمة الحالية خللًا أعمق من مجرد اختلاف في الأرقام؛ إذ تشير الصحيفة إلى أن وزارة المالية نفسها لا تمتلك صورة دقيقة وفورية حول تطور ميزانيات الولايات. ويتكرر بذلك سيناريو العام الماضي، حين لم تتضح الصورة الحقيقية لعجز الولايات إلا في ربيع 2025.

وتزداد الضبابية مع عجز المسؤولين – سواء من الحكومة أو الولايات – عن تقديم تفسير واضح للفجوة بين الأرقام القديمة والجديدة. فما هو مؤكد حتى الآن هو أن بيانات مجمّعة حول الوضع المالي للولايات تم تمريرها مؤخرًا، مع تضارب حول مصدرها؛ إذ نُسبت المعلومات إلى ولاية شتايرمارك التي نفت ذلك. وكانت التقديرات السابقة تتوقع عجزًا يبلغ 6.2 مليارات يورو هذا العام، فيما تشير البيانات الجديدة إلى اقترابه من ثمانية مليارات.

أزمة حسابات معقدة بين ميزانيات الولايات وقواعد ماستريخت

أحد الأسباب الجوهرية لهذا الارتباك يعود إلى اختلاف طرق حساب العجز بين الأنظمة المحلية وقواعد الاتحاد الأوروبي. فوفق الخبير بيرنهارد غروسمان من المجلس المالي، تعتمد معايير ماستريخت على الأثر الاقتصادي الفعلي للمعاملات وليس على توقيت دخول الأموال أو خروجها كما تفعل ميزانيات الولايات. كما تتطلب القواعد الأوروبية إضافة نتائج المؤسسات التابعة للولايات مثل Wien Holding في فيينا أو المؤسسات الصحية في شتايرمارك، ما يغير الصورة المالية بشكل كبير.

وتقدم الصحيفة أمثلة واضحة على هذا التباين، أبرزها حالة ولاية النمسا السفلى: فبينما تسجّل ميزانيتها الرسمية عجزًا يبلغ 891 مليون يورو، تُظهر حسابات ماستريخت أن العجز الحقيقي يصل إلى 1.185 مليار يورو. ويرجع جزء من هذا الفرق إلى بيع الولاية لقروض سكنية تُحتسب في الميزانيات المحلية إيرادًا مباشرًا، لكنها لا تُعتبر دخلًا فعليًا وفق القواعد الأوروبية.

ووفق نفس المعايير، تظهر فجوات مشابهة في شتايرمارك التي أعلنت إداريًا عجزًا بنحو 950 مليون يورو، بينما تشير حسابات ماستريخت إلى 1.1 مليار يورو. أما فيينا، فلا تزال دون بيانات محدثة رغم إعلانها سابقًا أن عجزها سيبلغ 3.2 مليارات يورو خلال 2025، ولم تصدر حتى الآن ميزانية مُجددة منذ آخر مخطط مالي يعود لعام 2023.

فجوات في البيانات.. ومؤسسات تابعة خارج الرقابة المستمرة

وتكشف الصحيفة كذلك فجوات في البيانات المتوفرة لدى هيئة الإحصاء النمساوية، التي تعتمد في كثير من الأحيان على تقديرات مستندة إلى نتائج سابقة بسبب عدم توفر معلومات حديثة من المؤسسات المملوكة للولايات. وكانت البيانات المتاحة للنصف الأول من العام لا تشير إلى ارتفاع العجز بهذا الشكل، ما يثير أسئلة حول خسائر محتملة لم يتم الإعلان عنها بعد.

وبحسب وزارة المالية، فإن تنامي العجز لدى الولايات وفيينا يُعتبر ظاهرة جديدة نسبيًا، إذ ظلت ميزانياتها متوازنة تقريبًا ما بين 2012 وحتى ما قبل الجائحة. وتشمل أسباب هذا التحول ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، والتغير الديمغرافي، وانخفاض الإيرادات جراء إلغاء “الزيادة الضريبية الصامتة”، إلى جانب تعليق قواعد الانضباط المالي منذ 2020، ما أتاح للولايات مساحة أوسع للإنفاق دون رقابة صارمة.

غياب التدخل الحاسم.. والشفافية المؤجلة

ورغم وضوح الأزمة، ترفض وزارة المالية فرض نظام بيانات أكثر صرامة على الولايات، مفضلة التعاون الطوعي معها، رغم أن غياب الشفافية بات جزءًا من المشكلة وليس مجرد عرض لها. ومع استمرار تضارب الأرقام بين الولايات والاتحاد الأوروبي، يبدو أن النمسا مقبلة على مرحلة مالية أكثر تعقيدًا، تتطلب مراجعة جذرية لطرق إعداد الميزانيات وآليات الرقابة.


شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!