فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في صورةٍ صادمة لكثيرين، يظهر رجلٌ نحيل يلتقط القمامة من الشارع بيديه. لا حراسة مشددة، لا موكب، ولا بذلة فاخرة. الرجل هو جون ماغوفولي، رئيس تنزانيا (2015–2021)، الذي تحوّل خلال سنوات قليلة إلى رمزٍ لحربٍ غير مسبوقة على الفساد في بلاده، حتى لُقّب شعبيًا بـ «بلدوزر هدم الفساد».
الصورة وحدها كافية لفتح سؤالٍ موجع في العالم العربي، وخصوصًا في مصر: لماذا تبدو السلطة هنا نقيضًا للفكرة ذاتها؟
ماغوفولي: حين تصبح الدولة قدوة
لم يكن ماغوفولي ملاكًا، ولم يكن حكمه خاليًا من الجدل أو الانتقادات الحقوقية، لكن ما لا يمكن إنكاره أن الرجل قلب معادلة الحكم رأسًا على عقب:
-
خفّض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين، وبدأ بنفسه.
-
قيّد سفر المسؤولين للخارج، معتبرًا أن «مكاتب الدولة أولى من فنادق العالم».
-
فتح باب الإبلاغ عن الفساد بمكافآت مالية للمواطنين، فكانت النتيجة فصل نحو 10 آلاف موظف فاسد أو متقاعس.
-
استعاد أموال مسؤولين متقاعدين عجزوا عن إثبات مصادرها.
-
صادر السيارات الحكومية من النواب وباعها، بما فيها سيارته الرئاسية، داعيًا الجميع لاستخدام سياراتهم الخاصة.
-
ألغى الاحتفال بالعيد الوطني، وحوّله إلى يوم عمل تطوعي، نزل فيه بنفسه لتنظيف الشوارع.
يقول الباحث التنزاني في شؤون الحوكمة د. بيتر نيامبي:
«ماغوفولي لم يحارب الفساد فقط بالقوانين، بل بالرمزية. لقد كسر الحاجز النفسي بين الحاكم والمواطن».
النتيجة؟
اقتصاد يُعد من الأسرع نموًا في شرق أفريقيا، وتراجع ملحوظ في نسب الفقر والبطالة، وثقة شعبية نادرة في دولة أفريقية مثقلة تاريخيًا بالفساد.
في المقابل… نموذج معاكس تمامًا
على الضفة الأخرى من المقارنة، تقف مصر بنموذج يكاد يكون نقيضًا كاملًا.
فبينما يُطلب من المواطن «شد الحزام»، تتحدث تقارير وإقرارات رسمية عن:
-
بناء قصور رئاسية فاخرة بمليارات الجنيهات.
-
توسّع غير مسبوق في امتيازات السلطة ومؤسساتها.
-
شراء طائرة رئاسية فاخرة قُدّرت قيمتها بنحو 500 مليون يورو، في بلد يعاني من ديون خانقة وتضخم قياسي.
يعلّق الخبير الاقتصادي المصري د. وائل جمال:
«المشكلة ليست في رقم هنا أو هناك، بل في الرسالة السياسية: حين يرى المواطن الفقر من جهة، والبذخ من جهة أخرى، تنهار فكرة العدالة الاجتماعية بالكامل».
البساطة كسياسة… أم الترف كعقيدة؟
ماغوفولي اختار أن يجعل التقشف لغة حكم، حتى وإن اختلفنا مع بعض ممارساته السياسية.
أما في مصر، فيبدو أن الترف أصبح جزءًا من بنية السلطة، لا استثناءً ولا خطأً عابرًا.
الفارق الجوهري ليس في الموارد، فتنزانيا ليست أغنى من مصر، بل في فلسفة الحكم:
-
هناك: الحاكم يخدم ليقنع.
-
هنا: السلطة تفرض لتُخضع.
يقول أستاذ العلوم السياسية د. حسن نافعة في تعليق سابق:
«الدولة التي تطلب التضحية دون أن تضحي قيادتها أولًا، تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية».
سؤال أخير لا مهرب منه
ماذا لو خرج رئيس عربي واحد فقط ليبيع قصرًا، أو طائرة، أو موكبًا، ويقول لشعبه:
«سأعيش كما تعيشون»؟
ربما حينها فقط، لن نحتاج إلى صور صادمة لرئيسٍ أفريقي يجمع القمامة…
لأن النظافة ستبدأ من القمة، لا من الشارع.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار