الإثنين , 27 أبريل 2026

شباب النمسا يفقدون الثقة بالسياسة… لكنهم يتمسكون بالديمقراطية!

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

في مؤشر يعكس تحولات عميقة في وعي الجيل الجديد، كشفت دراسة حديثة عن تراجع ملحوظ في ثقة الشباب بالنظام السياسي في النمسا، رغم استمرار دعمهم القوي للديمقراطية، في مفارقة تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين الشباب ومؤسسات الحكم.

وبحسب نتائج استطلاع “Demokratie Monitor 2025”، الذي ركّز على الفئة العمرية بين 16 و26 عامًا، انخفضت نسبة الشباب الذين يرون أن النظام السياسي يعمل بشكل جيد من 69% عام 2018 إلى 44% فقط اليوم، في تراجع حاد يعكس خيبة أمل متزايدة.

ورغم هذا الانخفاض، لا يشمل فقدان الثقة جميع مؤسسات الدولة، إذ لا تزال الشرطة والقضاء يحظيان بثقة مرتفعة تصل إلى 68% لكل منهما، ما يشير إلى أن الأزمة تتركز بشكل أساسي في المؤسسات السياسية التمثيلية.

وتُظهر البيانات تفاوتًا واضحًا في مستويات الثقة، حيث يحظى رؤساء البلديات بثقة نحو ثلثي الشباب، بينما تتجاوز الثقة في رئيس الدولة بقليل عتبة 50%. في المقابل، سجلت الحكومة أدنى مستويات الثقة بنسبة 37%، تلتها البرلمان بنسبة 41%، ثم المجالس المحلية بنسبة 44%، ما يعكس فجوة متزايدة بين الشباب وصنّاع القرار.

ويربط خبراء هذا التراجع بسلسلة من الأزمات التي أثرت على الحياة اليومية للشباب، من تداعيات جائحة كورونا إلى الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى قضايا أساسية مثل السكن والتعليم وسوق العمل، والتي يشعر كثيرون بأنها لا تحظى بالأولوية الكافية.

كما تكشف الدراسة عن شعور متزايد بالتهميش السياسي، حيث أفاد أقل من ثلث المشاركين بأن أصواتهم ممثلة داخل البرلمان، في ظل تمثيل شبابي محدود لا يتجاوز خمسة نواب دون سن الثلاثين من أصل 180 نائبًا، بينهم امرأة واحدة فقط.

وتبرز أيضًا فجوات داخل الجيل نفسه، إذ يشعر الشباب من ذوي التعليم المرتفع أو الدخل الأفضل بتمثيل أكبر، بينما يعاني نظراؤهم من خلفيات اجتماعية أقل حظًا من شعور أعمق بالإقصاء، ما يعكس خللًا مزدوجًا في التمثيل.

ورغم هذه المؤشرات السلبية، تبقى الديمقراطية خيارًا راسخًا لدى الشباب، حيث عبّر 89% منهم عن دعمهم لها كنظام حكم، وهي نسبة مستقرة تؤكد أن المشكلة ليست في الفكرة، بل في الممارسة.

ومن اللافت أن هذا التراجع في الثقة لا يعني العزوف عن المشاركة، إذ أظهر نحو 90% من الشباب انخراطهم في نشاط سياسي واحد على الأقل خلال العام الماضي، سواء عبر التصويت أو التظاهر أو العمل المدني، ما يدل على رغبة واضحة في التأثير رغم الإحباط.

غير أن أحد أبرز التحديات يتمثل في حرمان نسبة كبيرة من الشباب من حق التصويت بسبب عدم امتلاك الجنسية النمساوية، حيث تصل هذه النسبة إلى 26% على مستوى البلاد، وتتجاوز 40% في فيينا، ما يطرح تساؤلات حول شمولية النظام الديمقراطي.

في موازاة ذلك، تتغير طرق استهلاك المعلومات السياسية، إذ أصبحت منصات مثل Instagram المصدر الرئيسي للأخبار لدى 69% من الشباب، بينما بدأ 28% منهم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات سياسية، في تحول يعيد تشكيل العلاقة مع الإعلام التقليدي.

هذه النتائج تضع النمسا أمام تحدٍ حقيقي: كيف يمكن استعادة ثقة الشباب دون المساس بحيوية مشاركتهم؟ وكيف يمكن تحويل دعمهم للديمقراطية إلى ثقة فعلية في مؤسساتها؟

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل النظام الديمقراطي في النمسا لن يُحسم فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر قدرة الدولة على الاستماع إلى جيل يشعر بأنه حاضر في الشارع… لكنه غائب في مراكز القرار.


🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!