فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
لم يكن حسابي على فيسبوك مجرد مساحة رقمية عابرة، بل كان وطناً صغيراً يختزن سنوات من الذاكرة والتعب والرأي. هناك، بين منشورٍ وآخر، تركتُ شيئاً من قلبي: مقالات كتبتها في لحظات غضبٍ من الحروب، تحليلات حاولت فيها فهم الدم الذي يُسفك بلا نهاية، وصور ومقاطع وثّقت ما رأيته وما شعرت به. لم يكن مجرد حساب… كان أرشيفاً لحياتي.
خمسة آلاف صديق وصديقة لم يكونوا أرقاماً جامدة، بل وجوهٌ أعرف بعضها، وأصواتٌ تعرّفت عليها عبر الكلمات. كانوا شهوداً على أفكاري، على مواقفي، وعلى إيماني بأن الكلمة الحرة ما زالت قادرة على إحداث فرق، مهما بدا العالم صاخباً وعنيفاً.
لكن فجأة، وبدون إنذارٍ عادل أو تفسيرٍ واضح، اختفى كل شيء.
تم تعطيل حسابي.
بضغطة زر، تحوّل كل ما بنيته خلال سنوات إلى فراغ. مقالاتي التي ناقشت الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وانتقدت قبلها مأساة غزة، لم تكن دعوة للعنف، بل صرخة إنسان يحاول أن يفهم، وأن يقول: كفى. لم أكن أحمل سلاحاً، بل قلماً. ولم أحرّض، بل انتقدت، حللت، وتساءلت.
ومع ذلك، عوقبت.
الأصعب من فقدان الحساب ليس فقط ضياع المحتوى، بل الشعور بأن صوتك يمكن أن يُمحى في أي لحظة، دون أن تُمنح حتى حق الدفاع عن نفسك. حاولت الطعن، حاولت الوصول إلى تفسير، لكن الأبواب كانت مغلقة، كأنك تُخاطب آلة لا تسمع، ولا ترى، ولا تشعر.
كيف يمكن لمنصة تقول إنها مساحة للتعبير أن تضيق بالرأي؟ كيف يمكن للكلمة التي تنتقد الحرب أن تُعامل كأنها خطر؟
أنا لست حالة فريدة. هناك كثيرون مثلي، فقدوا حساباتهم لأنهم تحدثوا عن قضايا إنسانية حساسة. لكن خلف كل حساب قصة، وخلف كل قصة إنسان يشعر أن صوته سُرق منه.
اليوم، لا أطالب فقط باستعادة حسابي، رغم أن فيه جزءاً كبيراً من حياتي، بل أطالب بشيء أبسط وأعمق: العدالة. الشفافية. الحق في أن نعرف لماذا نُعاقب، وأن نُمنح فرصة حقيقية للدفاع عن أنفسنا.
لأن الكلمة إن خُنقت، لن يصمت الألم… بل سيكبر. ولأننا إن قبلنا أن تُحذف أصواتنا بصمت، سنستيقظ يوماً لنجد أن لا أحد بقي ليتكلم.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار