الثلاثاء , 28 سبتمبر 2021

بين التأييد والرفض.. “التربية الإسلامية” في المدارس الألمانية

عاد موضوع الإسلام ومكانته في ألمانيا إلى الواجهة على خلفية دعوى أمام المحكمة الدستورية بولاية بافاريا التي أقر برلمانها تدريس مادة “التربية الإسلامية”. وهناك من يرى في القرار إنجازاً، فيما يرى فيه آخرون “خدعة” لا أكثر.

عدَل برلمان ولاية بافاريا (الثلاثاء السادس من يوليو/ تموز 2021) القانون المُنظم للتعليم الديني في مدارس الولاية. وجاء في التعديل أن “تلاميذ المدارس الذين اختاروا عدم متابعة دروس التعليم الديني ملزمون بالمشاركة إما في دروس الأخلاق أو دروس التربية الإسلامية بمنطق عقائدي-إيماني”. وبذلك تم تغيير وضعية تلقين تعاليم الإسلام كنموذج تجريبي، حتى الآن، في عموم ألمانيا إلى مادة دراسية عادية، تنضم إلى قائمة الاختيارات بين المواد الأخرى، كمادة الأخلاق، ولتتاح المادة أيضا ضمن الاختيارات ولاسيما بالنسبة للتلاميذ المسلمين في نحو 350 مدرسة. يُذكر أن قطاع التعليم هو في اختصاصات الولايات وليس الحكومة المركزية في برلين.

ويرى مايكل بيازولو، وزير التربية والتعليم في ولاية بافاريا، أن هذا العرض يتيح للتلاميذ المسلمين بديلا عن دروس مادة الأخلاق “حيث يتعلمون أيضاً أسس  تعاليم الإسلام وقيمه”.  من جهتها، أشادت مفوضة الحكومة البافارية لشؤون الاندماج غودرون بريندل-فيشر بهذه الخطوة ووصفتها بأنها “علامة فارقة وجديدة بالنسبة لاندماج مواطناتنا ومواطنينا المسلمين”، داعية أولياء أمور الأطفال المسلمين إلى قبول العرض الجديد. غير أن وجهة النظر هذه لا يتقاسمها جميع المعنيين بهذا الموضوع. وبهذا الصدد كتب موقع “دويتشلاندفونك” (التاسع من يوليو/ تموز 2021): “في بافاريا وعكس ولايات شمال الراين – ويستفاليا أو بادن فورتمبيرغ ، على سبيل المثال لا الحصر، لم يتم إشراك الجمعيات الممثلة للمسلمين في تحديد محتوى التعليم واختيار وتدريب معلمي التربية الإسلامية”

“التربية الإسلامية” لبنة على طريق اندماج المسلمين

تدريس  مادة “التربية الإسلامية”  بمنطق عقائدي-إيماني كما أقرها برلمان بافاريا يأتي نتيجة تراكمات دامت عقوداً، بدأت بما كان يسمى بـ “الإرشاد الإسلامي” الذي كان يلقن باللغة التركية قبل أن يتحول للألمانية. بعدها تقرر تدريس هذه المادة في مشروع تجريبي على مستوى عموم ألمانيا. مشروع انطلق في عام 2009 وتوسع تدريجياً ليشمل المئات من المدارس معظمها ابتدائية ومتوسطة. في بافاريا يصل عدد هذه المدارس إلى 350، يُدرس فيها حوالي مائة معلم لـ “مادة التربية الإسلامية”.

اوبالنسبة للمسؤولين البافاريين كان من المهم أن تلقن دروس “التربية الإسلامية” باللغة الألمانية. وقبل تعديل القانون، كانت المشاركة طوعية في هذه الدروس، والآن ستصبح اختيارية وإلزامية. بمعنى آخر، يمكن اختيارها بدلاً من مادة الأخلاق. وبهذا الصدد كتبت “زودويتشه تسايتونغ” (14 يوليو/ تموز)، منوهة بتعقيدات هذا الموضوع وكتبت أنه “منذ حوالي 15 عامًا وألمانيا تجرب نماذج مختلفة لتعليم الإسلام، ما يؤجج الخلافات كل مرة. فعلى نقيض بافاريا، على سبيل المثال، لا تقدم ولاية بادن فورتمبيرغ مادة دروس الإسلام العقائدي بل تقدم تعليماً دينياً يطغى عليه الطابع السني”.

مشوار هذا المشروع لم يكن في أي لحظة مفروشاً بالورود، خطوة يجب فهمها في سياق أشمل، إذ يتعلق بآليات إدماج المسلمين في ألمانيا بشكل يتوافق مع مبادئ دستور هذا البلد. موضوع شائك يثير جدلاً دائماً ومتجدداً. وبهذا الصدد أكدت المحكمة الدستورية ببفاريا تلقيها دعوى قدما مدرس إسمه إرنست -غونتر كراوزه إضافة إلى “اتحاد حرية الفكر في بافاريا” و”مجموعة ميونخ الإقليمية” المدعومة من مؤسسة غيوردانو-برونو. الدعوى تدعي غياب الشروط القانونية المطلوبة لتطبيق القرار الذي اتخذه برلمان الولاية.

معارك قانونية في ولايات مختلفة..

في ولاية هيسن تمكن الاتحاد الإسلامي التركي في ألمانيا (ديتيب) من تحقيق إنجاز أمام محكمة فيسبادن الإدارية. ووفقاً لقرار  المحكمة، فإن تعليق العمل بالتعليم الديني الإسلامي العقائدي بالتعاون مع “ديتيب” من قبل لولاية لم يكن قانونياً. واعطت المحكمة للولاية شهراً واحداً لاستئناف القرار. ويذكر أن ولاية هيسن كانت أقرت تعليم تربية إسلامية عقائدية، بالتعاون مع “ديتيب” منذ الموسم الدراسي 2013/2014. وفي أبريل/ نيسان 2020، أوقفت وزارة الثقافة في الولاية تلك الدروس وبررت ذلك بشكوك حول اتحاد “ديتيب” كشريك، خصوصاً بشأن استقلاليته تجاه الدولة التركية.

موقع “دي تسايت” الألماني (الثاني من يوليو/ تموز) كتب أن مدارس الولاية واصلت بعد تعليق التعاون مع “ديتيب” تقديم دروس “التربية الإسلامية” لكن دون التزام صريح بالإيمان بالدين، كما هو الحال بالنسبة للكاثوليكية أو البروتستانتية. وأكدت وزارة التعليم والشؤون الثقافية في هيسن أن تدريس “التربية الإسلامية” يجب أن يبقى مسؤولية للدولة وحدها، باستهداف التلاميذ من الصف الأول إلى الثامن الذين يرغبون في معرفة المزيد عن الإسلام بغض النظر عن طوائفهم الدينية.

“عدم مساواة وخدعة” أم خطوة في الاتجاه الصحيح؟

مسؤولو ولاية بافاريا أكدوا أن هذه الخطوة تعتبر تطورا يُمكن الإسلام أخيرًا من اكتساب مكانة دائمة في  المناهج المدرسية الألمانية. غير أن بعض الجمعيات الإسلامية تنظر إلى هذا المشروع بشكل نقدي، على غرار أيكان عنان، المتحدث باسم “المجلس التنسيقي للطوائف الإسلامية في بافاريا”، الذي اغتبر ذلك “خدعة”. واستطرد موضحاً أنه حان الوقت الآن “لإدخال تعليم ديني إسلامي منتظم”. ما يتم النظر فيه الآن ليس في مصلحة المسلمين في بافاريا. التخفظ الرئيسي الذي يراه أيكان عنان يكمن في كون الدولة أعطت لنفسها حق تحديد محتوى التعليم الديني الإسلامي، عكس ما يحدث بالنسبة للتعليم الديني البروتستانتي أو الكاثوليكي، حيث تقرر الكنائس المحتوى بنفسها. وبالتالي، فإن هناك عدم مساواة على حد تعبيره.

ويرى أستاذ “التربية الدينية الإسلامية” هاري هارون بير، الذي له تجربة طويلة في تكوين أساتذة التعليم الإسلامي في مدينة إرلانغن، أن طريقة بلورة مادة “التربية الإسلامية” لا تتوافق مع الدستور الألماني. وهو يشير بذلك إلى الفقرة الثالثة من المادة السابعة من الدستور التي تنص على ضرورة توافق مناهج التعليم الديني مع مبادئ الطوائف الدينية التي ينتمي إليها. وبالتالي، فإن الدولة ملزمة بتقديم تعليم ديني إسلامي “يتوافق مع مبادئ الدين الإسلامي والهويات الإسلامية”.

حزب الخضر: مجرد دروس أخلاق بلمسة إسلامية؟

بدورها ترى غابرييلا تريبيل، المتحدثة باسم السياسة الدينية لحزب الخضر في برلمان بافاريا، أن القانون الجديد يمنع على المدى الطويل إدماج التعليم الديني العقائدي في المناهج المدرسية. فالمادة الجديدة “مجرد درس أخلاقي بتوجيه إسلامي”. ووفقًاً لحزب الخضر، يجب على حكومة الولاية أن تقدم “تعليمًا دينيًا حقيقيًا” للأطفال والشباب المسلمين في بافاريا. غير أن وزارة الثقافة البافارية ترى أنه، عكس ما هو عليه الوضع بالنسبة للكنائس، لا يوجد مخاطب أو هيئة واحد تمثل المسلمين. وبالتالي هذا هو السبب في تقديم اختيار كبديل لدروس الأخلاق حسب وزير الثقافة بيازولو.

المدرس إرنست -غونتر كراوزه الذي رفع الشكاية أمام المحكمة الدستورية البافارية، انتقد في بيان صحفي نشره قبل أسابيع، مثل قرار برلمان الولاية، معتبراً أن القانون الجديد يخلط بطريقة غير شفافة بين تدريس “علم الإسلام” بشكل تكون الولاية مسؤولة عنه وبين تدريس “التربية الإسلامية” في إطار موجه دينيا.

DW – حسن زنيند

 

شاهد أيضاً

جلسة عزاء يوم السبت القادم فى وفاة المرحوم أحمد عطية الشقيق الأكبر للأستاذ محسن عطية

ببالغ الحزن والأسى والتسليم بقضاء الله وقدره تلقينا اليوم الأثنين مساءّ الموافق 27 من سبتمبر …

%d مدونون معجبون بهذه: