القضية هنا ليست صورة عابرة، ولا خبرًا جانبيًا في زحام الأحداث. نحن أمام مشهد مُفزع، يختصر عقودًا من الإذلال، والتبعية، والانحدار الذي فُرض على هذه الأمة. حين ترى قطعة من كسوة الكعبة المشرفة — ستر بيت الله، ورمز قدسية الإسلام وعزته — مفروشة أمام شخص كـ جيفري إبستين، فاعلم أنك لا تنظر إلى “تحفة تاريخية”، بل إلى وثيقة إذلال، ومحضر تسليم لكرامة أمة كاملة، وقّعته أنظمة باعت كل شيء مقابل البقاء في السلطة.
ظهور قطعة من كسوة الكعبة المشرفة — رمز قدسية بيت الله وأحد أعمق معالم الوجدان الإسلامي — خارج سياقها الديني، وفي حيازة شخصيات مثيرة للجدل مثل جيفري إبستين، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل، لا حول “شرعية الاقتناء” فحسب، بل حول كيفية التعامل مع المقدس في زمن الاضطراب السياسي والأخلاقي
كسوة الكعبة ليست مجرد نسيج مطرّز بالذهب، ولا قطعة فنية قابلة للتداول كبقية التحف.هي رمز ديني مركزي، ارتبط عبر قرون طويلة بفكرة الحرمة والقداسة والسيادة الروحية في الوعي الإسلامي.
ولهذا، فإن إخراجها من سياقها التعبدي، وعزلها عن مكانها الطبيعي، لا يمكن النظر إليه باعتباره تصرّفًا ثقافيًا محايدًا. ففي عالم السياسة الحديثة، تُدرك القوى الكبرى قيمة الرموز، وتفهم أن المساس بالرمز هو مدخل للمساس بالمعنى، وبالعلاقة العاطفية والروحية التي تربط الشعوب بمقدساتها
لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده. هناك معارك هادئة، طويلة النفس، تُدار في مجال الوعي والرمز والصورة.حين يُجرَّد الرمز الديني من سياقه، ويُقدَّم بوصفه “مقتنى خاصًا” أو “تحفة نادرة”، فإن ذلك يساهم — بوعي أو بغير وعي — في نزع هالته المعنوية، وتحويله من عنصر جامع للأمة إلى مادة استهلاك نخبوية. الرسالة هنا لا تُقال صراحة، لكنها تُفهم ضمنيًا: حتى أكثر رموزكم قدسية يمكن إخضاعها لمنطق السوق والنفوذ.
السؤال الجوهري ليس فقط: من اقتنى الكسوة؟ بل: كيف خرجت أصلًا؟ ومن سمح بتحويل رمز ديني جامع إلى أداة مجاملة سياسية أو وجاهة خاصة؟ في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى بعض العواصم الخليجية، التي لعبت خلال السنوات الأخيرة أدوارًا متشابكة بين الدبلوماسية، والاقتصاد، وإعادة تقديم الذات بوصفها وسيطًا إقليميًا “منفتحًا”.
غير أن الانفتاح، حين لا تحكمه معايير أخلاقية واضحة، قد يتحول إلى تفريط بالرموز، وإلى مقايضة غير معلنة بين المقدس والمصالح.
لا تعني أن الكعبة فقدت قدسيتها — فالقداسة لا تُصادَر. لكنها تعني أن الرمز بات بلا حماية سياسية وأخلاقية كافية.وأن الأمة التي لا تملك قرارها، لا تستطيع دائمًا حماية أكثر ما هو عزيز عليها.
فحين تغيب السيادة، يصبح حتى المقدس عرضة للتداول، ولو بصيغ “ناعمة” لا تُثير ضجيجًا فوريًا.
هذه القضية لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى وعي هادئ ومسؤول.وعي يدرك أن الدفاع عن المقدسات لا يكون بالانفعال وحده، بل ببناء أنظمة تحترم الرموز، وتحميها، وتمنع تحويلها إلى أدوات في لعبة النفوذ.
الصورة التي انتشرت ليست فضيحة عابرة، بل مرآة تعكس واقعًا أعمق: أمة تُستهدف في رموزها، بينما تنشغل بصراعاتها الهامشية.
والسؤال المفتوح يبقى:هل نمتلك الشجاعة لإعادة الاعتبار لما هو مقدس، قبل أن نفقد القدرة حتى على الاعتراض؟
الإمارات… حين يتحول السمسار إلى “وليّ أمر”السؤال الأخطر: كيف وصلت هذه القطعة أصلًا؟
الطريق لا يمر عبر الصدفة، بل عبر مطارات الخليج، وتحديدًا أبو ظبي ودبي. هنا لم نعد أمام “تحالف سياسي”، بل أمام انحدار عقائدي وأخلاقي. النظام الإماراتي الذي يروّج لنفسه كراعٍ لـ “التسامح”، قدّم مقدسات الأمة كقرابين سياسية على مذبح الرضا الصهيوني. لم تكن الكسوة “هدية”، بل دليل ولاء، ورسالة خضوع تقول: “نضع بين أيديكم أقدس ما عندنا… فافعلوا به ما تشاؤون.
رمضان إسماعيل
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار