فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
يثير نظام “الاحتجاز العلاجي” في النمسا، المعروف باسم Maßnahmenvollzug، جدلًا حقوقيًا متزايدًا، في ظل طبيعته القانونية المعقدة التي تجمع بين هدفين متناقضين ظاهريًا: حماية المجتمع من خطر محتمل، وعلاج أشخاص ارتكبوا جرائم تحت تأثير اضطرابات نفسية، ضمن إطار يسمح باحتجازهم لفترات غير محددة قد تمتد لسنوات طويلة، بل لعقود في بعض الحالات، وفق ما أفادت وكالة الأنباء النمساوية APA.
نظام علاجي أم احتجاز مفتوح؟
ويُطبق هذا النظام داخل مراكز خاصة تُعرف اليوم باسم “المراكز العلاجية الجنائية”، والتي كانت تُسمى سابقًا “مؤسسات للمجرمين ذوي الاضطرابات العقلية”، في محاولة لإبراز التحول من العقوبة إلى العلاج وإعادة التأهيل. إلا أن هذا التحول لا يزال موضع جدل، خصوصًا من قبل منظمات حقوق الإنسان التي ترى أن الواقع العملي لم يتغير بشكل كافٍ.
ومن أبرز هذه المراكز، مركز Garsten Correctional Facility في ولاية النمسا العليا، وهو منشأة تاريخية يعود عمرها إلى مئات السنين، كانت في الأصل ديرًا قبل أن تتحول لاحقًا إلى سجن، وتُعد اليوم واحدة من أكبر مراكز الاحتجاز العلاجي في البلاد، حيث تضم نحو 279 نزيلًا، بينهم حوالي 250 شخصًا ضمن نظام الاحتجاز العلاجي.
“توقع الخطر”.. عامل حاسم
ويتميز هذا النظام بكونه لا يعتمد فقط على الجريمة المرتكبة، بل على تقييم مستقبلي لخطر الشخص. إذ لا يكفي ارتكاب جريمة لإيداع شخص في هذا النظام، بل يجب أن يرى الخبراء احتمالًا كبيرًا لارتكاب جرائم مستقبلية، وهو ما يُعرف بـ”توقع الخطر”، ما يجعل الاحتجاز أقرب إلى إجراء وقائي منه إلى عقوبة تقليدية.
وغالبًا ما يعتمد القرار على تقرير نفسي واحد، يقدمه خبير يقوم بتقييم الحالة النفسية للشخص، وهو تقييم قد يحدد مصير المحتجز لسنوات طويلة، في ظل انتقادات تتعلق بغياب معايير موحدة ودقيقة.
احتجاز بلا موعد للإفراج
ومن أكثر النقاط إثارة للجدل أن مدة الاحتجاز غير محددة مسبقًا، حيث يتم تقييم الحالة مرة واحدة سنويًا لتحديد ما إذا كان الشخص لا يزال يشكل خطرًا. ويعني ذلك أن بعض المحتجزين قد يقضون سنوات طويلة دون معرفة موعد الإفراج.
وتشير الأرقام إلى أن متوسط مدة الاحتجاز عام 2024 بلغ نحو 1546 يومًا، أي أكثر من أربع سنوات، بينما وصلت في حالات أخرى إلى 2829 يومًا، أي ما يزيد عن سبع سنوات.
حياة يومية منظمة داخل المراكز
داخل هذه المراكز، يخضع المحتجزون لبرنامج يومي منظم يبدأ صباحًا، حيث يتوزعون بين العمل في ورش مختلفة مثل النجارة والحدادة والمطابخ، أو المشاركة في جلسات العلاج النفسي الفردية والجماعية، إضافة إلى الأنشطة الرياضية والترفيهية بعد الظهر.
كما يعمل فريق متعدد التخصصات يضم أطباء نفسيين وأخصائيين اجتماعيين ومعالجين مهنيين، إلى جانب عناصر الأمن، حيث تُعقد اجتماعات دورية لتقييم حالة كل نزيل.
تحديات وانتقادات متزايدة
ورغم التركيز على العلاج، تواجه هذه المراكز عدة تحديات، أبرزها الاكتظاظ ونقص الكوادر، إضافة إلى تقليص بعض البرامج بسبب القيود المالية، ما يؤدي أحيانًا إلى بقاء المحتجزين لفترات طويلة دون نشاط كافٍ.
كما تشير المعطيات إلى أن عدد الأشخاص الذين يدخلون هذا النظام في تزايد، وأنهم أصبحوا أصغر سنًا مقارنة بالماضي، وغالبًا ما يحملون خلفيات اجتماعية صعبة مثل التعرض للعنف أو الإهمال في الطفولة.
نتائج إيجابية رغم الجدل
في المقابل، يرى المدافعون عن النظام أنه يحقق نتائج مهمة، إذ تبلغ نسبة العودة إلى الجريمة نحو 10% فقط بين من خضعوا لهذا النظام، مقارنة بنسبة 40 إلى 50% في السجون التقليدية، ما يعتبره مؤيدوه دليلًا على فعالية النهج العلاجي.
جدل مستمر وإصلاحات مطلوبة
وفي ظل هذا التوازن المعقد بين حماية المجتمع وحقوق الأفراد، يستمر الجدل في النمسا حول مستقبل هذا النظام، مع مطالب بإصلاحات أعمق تشمل وضع معايير أكثر شفافية وحدود زمنية أوضح، دون التخلي عن الهدف الأساسي المتمثل في منع تكرار الجرائم الخطيرة.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار