الأحد , 10 مايو 2026

من ضحية إلى ناجٍ فقط.. كيف فقد المسلم ثقته بهويته ورسالة حضارته؟

فيينا : رمضان إسماعيل

في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والفكرية، لم يعد السؤال المطروح على المسلم اليوم متعلقًا فقط بكيفية الحفاظ على دينه، بل أصبح أعمق من ذلك بكثير: كيف تحوّل المسلم من إنسان يحمل رسالة حضارية وأخلاقية إلى إنسان منشغل فقط بالنجاة الفردية والهروب من الضغوط والاتهامات والأزمات؟

هذا السؤال كان محور حلقة فكرية عميقة على قناة الجزيرة القطرية، استضافت المختص النفسي والباحث في العلوم الاجتماعية والتربوية الأستاذ ثائر الناصر، الذي قدّم قراءة تحليلية لأزمة الهوية الإسلامية المعاصرة، وأسباب التراجع الحضاري والفكري الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية اليوم.

الهوية ليست مجرد انتماء ديني

أكد الناصر أن مفهوم الهوية لا يقتصر على الاسم أو الدين أو اللغة، بل هو منظومة متكاملة من القيم والمعاني والتصورات التي تحدد نظرة الإنسان لنفسه ولموقعه في العالم. فالهوية الإسلامية تاريخيًا لم تكن مجرد طقوس وشعائر، بل مشروع حضاري متكامل أنتج العلم والفلسفة والأخلاق والعدالة الاجتماعية.

وأوضح أن أخطر ما تعرضت له المجتمعات الإسلامية خلال العقود الماضية هو محاولات “تفريغ الهوية” من مضمونها الحقيقي، بحيث يصبح المسلم مرتبطًا بالشكل فقط، بينما يفقد الشعور بالرسالة والثقة بالنفس والقدرة على التأثير.

الاستعمار لم يكن عسكريًا فقط

وأشار الباحث إلى أن الاستعمار الغربي لم يعتمد فقط على الاحتلال العسكري والسياسي، بل عمل أيضًا على إعادة تشكيل وعي الشعوب الإسلامية عبر التعليم والإعلام والثقافة، بما يؤدي إلى خلق أجيال منبهرة بالنموذج الغربي ومنفصلة عن جذورها الحضارية.

وبيّن أن هذه السياسات ساهمت في إنتاج حالة من الاغتراب الداخلي لدى كثير من الشباب المسلم، حيث أصبح البعض يشعر بالخجل من هويته أو يعتبر التمسك بالقيم الإسلامية نوعًا من التخلف أو العائق أمام الاندماج والنجاح.

وأضاف أن جزءًا كبيرًا من أزمة المسلمين اليوم يتمثل في “فقدان المعنى”، إذ تحولت الأولويات من صناعة الحضارة إلى مجرد البحث عن الأمان الفردي والهروب من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لماذا تأخرت المجتمعات الإسلامية؟

وربط الناصر بين أزمة الهوية وحالة التراجع الحضاري التي تعيشها الأمة الإسلامية، معتبرًا أن أي مجتمع يفقد ثقته بذاته وبقيمه يصبح عاجزًا عن الإبداع والإنتاج والتقدم.

وأوضح أن التراجع لا يرتبط بالدين الإسلامي نفسه، بل بضعف الإنسان المسلم وتفكك المنظومات التربوية والثقافية التي كانت تاريخيًا تصنع الشخصية الواعية والقادرة على تحمل المسؤولية.

كما انتقد حالة الاستهلاك الثقافي التي تعيشها بعض المجتمعات الإسلامية، حيث يتم استيراد الأفكار والنماذج الجاهزة دون بناء مشروع حضاري مستقل يعبر عن خصوصية الأمة وقيمها.

الأسرة والتربية.. خط الدفاع الأول

وشدد الباحث على أن الأسرة تبقى العنصر الأهم في حماية الهوية الإسلامية وترسيخها لدى الأجيال الجديدة، خاصة في ظل التأثير الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي تعيد تشكيل أفكار الشباب وسلوكياتهم بشكل يومي.

وأوضح أن التربية لا تعني فرض الأوامر أو التخويف، بل بناء شخصية متوازنة تعتز بدينها وثقافتها وتملك في الوقت نفسه القدرة على الحوار والانفتاح والثقة بالنفس.

كما دعا الدعاة والمربين ورواد المجتمع إلى تطوير خطابهم بما يتناسب مع تحديات العصر، والتركيز على بناء الإنسان الواعي بدل الاكتفاء بالوعظ التقليدي أو الخطاب العاطفي المؤقت.

استعادة الحضارة تبدأ من استعادة الثقة

واختتم الناصر حديثه بالتأكيد على أن أي نهضة إسلامية حقيقية لن تبدأ بالسياسة أو الاقتصاد فقط، بل بإعادة بناء الإنسان المسلم نفسيًا وفكريًا وروحيًا، وإحياء شعوره بالكرامة والرسالة والانتماء الحضاري.

وأشار إلى أن الاعتزاز بالهوية الإسلامية لا يعني الانغلاق أو العداء للآخر، بل امتلاك الثقة بالنفس والقدرة على التفاعل الإيجابي مع العالم دون الذوبان فيه أو فقدان الجذور.

وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها العالم الإسلامي، تبقى معركة الهوية واحدة من أخطر المعارك التي ستحدد مستقبل الأجيال القادمة، بين أمة تستعيد رسالتها الحضارية، وأخرى تكتفي فقط بمحاولة النجاة.

تحقق أيضًا

«المعلمون في مواجهة الحجاب».. جدل واسع في النمسا بسبب تعليمات صارمة وغرامات قد تصل إلى السجن

يتصاعد الجدل السياسي والتربوي في Austria مع اقتراب موعد تطبيق قانون حظر الحجاب على التلميذات حتى سن 14 عامًا داخل المدارس، بعدما وجهت نقابة المعلمين

error: Content is protected !!