بعد حرق استراحتها في «صور».. لِمَاذا هاجم متظاهرو الجنوب اللبناني رندا بري؟

قبيل بضع سنوات قدّم رجل الأعمال اللبناني الجنوبي حسين حطيط عقارًا يملكه في بلدة البابلية بمنطقة الزهراني في صيدا، هبة إلى «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، فسُجل العقار على أنه «وقف للطائفة الشيعية».

يؤلف المبني الذي تبلغ مساحته 7 آلاف متر مربع من ثلاث طبقات، وقد قدم مجهّز بالمعدّات الكاملة ليكون فرعًا من فروع «الجامعة الإسلامية اللبنانية»، لكنه لم يصبح فرعًا لهذه الجامعة. إذ اكتشف اللبنانيون أن المبني قد تم تأجيره إلى «الجمعية اللبنانية لرعاية المعوقين»، بمبلغ 15 ألف دولار سنويًا، أي أن أجرته الشهرية وهي 1250 دولار شهريًا تقل عن أجرة غرفة واحدة بمساحة 50 متر مربع في شارع الحمرا ببيروت على سبيل المثال.

بديهيًا يعرف اللبنانيون أن «الجمعية اللبنانية لرعاية المعوقين» تحت رئاسة «الشيعية الأولى» – كما يسميها أهل الجنوب – رندا بري، زوجة رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهي من استأجرت المكان لمدة تزيد عن 40 عامًا حسب مصادر لبنانية في بلدة البابلية.

يمثل ذاك الاستثمار الشكلي بموافقة الوقف الشيعي «غيض من فيض» في جعبة تجاوزات أو «فساد» تلك السيدة كما يبين التقرير التالي.

مفاتيح «الامبراطورية البريّة» في يد رندا بري

يوصف رئيس مجلس النواب اللبناني الرئيس نبيه بري بأنه أكثر الساسة اللبنانيين دهاء وخبرة؛ فهو القادر على نسج علاقات قوية حتى مع الأطراف المتناقضة، إذ تمكنه مطرقته التشريعية من فرض الهيبة على كلّ النواب بمجمل خطوطهم السياسية المتنافرة.

ولد نبيه بري في عام  1938 لعائلة لبنانية شيعية، وتلقى علومه المدرسية في لبنان حتى درس الحقوق. تقرب الرجل الذي يختصر أهل الجنوب اسمه بـ«دولته» أو بـ«الإستيذ» للزعيم الشيعي موسى الصدر فترة الستينات، حتى أصبح من السهل على نبيه أن يحلّ مكان الصدر بعد اختطافه عام 1980. ليتولى الأول رئاسة «حركة أمل» سنة 1980، ومن ثم يتعمّق انخراطه في الحياة السياسية اللبنانية، فتولي وزارات مختلفة، مثل وزارة العدل والإسكان، ورئاسة مجلس النواب منذ عام 1984 وحتى الآن.

تزوج بري مرتين أولهما من ليلى والثانية من رندا، وأنجب من كليهما ثلاثة صبيان وسبع فتيات، ومع هذه العائلة الكبيرة برز اسمًا واحدًا يهتمُّ اللبنانيين بشأنه أكثر من غيره من أسماء عائلة بري، وهو الزوجة الثانية رندا ابنة السيد حسين عاصي، التي سرعان ما انغمست في العمل الاجتماعي. وأصبحت تتولى رئاسة العديد من الجمعيات الأهلية، والتي من أهمها «الجمعية اللبنانية لرعاية المعوقين»، و«الاتحاد اللبناني لرياضة المعوقين» الذي يضم 110 ألف نادٍ رياضي وثقافي، كما أنها عضو مؤسس في «هيئة شؤون المرأة اللبنانية». ذاك الوضع الذي جعل نبيه بري يفتخر بها، إذ يقول في حوار له: «زوجتي خططت طريقًا أنبل من السياسة، فاهتمت بالناحية الإنسانية وناحية التعليم المهني والبيئة والآثار والفن».

وتعتبر هذه السيدة هي الرقم الثاني في حلقة بري من بعده، فهي أحد أبرز مفاتيح الوصل والربط في تلك الحلقة، ولها كلمتها الحاسمة في كافة الاستحقاقات النيابية والحكومية والبلدية في عين التينة (من قرى قضاء البقاع الغربي)، وهي التي لم تكتف بنشاطها الاجتماعي، بل عجلت إلى إدارة شبكة كبيرة من الاستثمارات في لبنان والخارج بمساعدة أشقائها.

لكن كيف بدأ هذا النفوذ؟ من داخل منزل بري، حين أخذت رندا بري تبني نظام حديدي مستقل عن العائلة، وتحسب حساباتها بدقة لتسيير مصالحها الخاصة، والتي كان أهمها إجبار نجلي برّي من زوجته الأولى عبد الله ومصطفى على التنازل عن أمور كثيرة، وإزاحة مسئولين من «حركة أمل» محسوبين على النجلين. وفي مقابل ذلك كانت رندا بري تزجّ بابنها باسل ليصبح الأكثر قربًا لوالده. يساعدها على تحقيق ما تريد؛ أن باسل ورث عن والده الحنكة والذكاء السياسي، فالسيدة الشيعية الأولى – كما تُعرف – تحاول أن يكون ابنها وريث «الإمبراطورية البريّة»، وتجتهد كي لا يكون «الخليفة ابن ضرتها».

ويمكن القول إن ما يساعد رندا بري على تحقيق أهدافها هو أن الجسم التنظيمي لـ«حركة أمل» متهم بالفساد. إذ تؤكد مصادر لبنانية أن «الصغير يأكل الكبير في الحركة، ومن لديه السلطة ومقرّب من برّي ينال ما يريده من وظائف ومكاسب». وتضيف المصادر لموقع «المدن» اللبناني أن «أبناء حركة أمل الحقيقيين والذين حملوا السلاح ودافعوا عن الحركة في الحرب الأهلية وقاتلوا ضد إسرائيل، لا يجدون اليوم لقمة عيشهم، في حين أن بعض النافذين يستفيدون من أكثر من وظيفة في الدولة وفي المؤسسات التابعة لأمل، مع أن القانون يمنع توظيف شخص في وظيفتين رسميتين، فكيف في أكثر من وظيفتين».

رندا بري.. «سيّدة الـ51%» المتهمة بالسرقة والفساد

«إمارة نبيه ورندا بري»، «حرامي حرامي، نبيه بري حرامي، رندا بري حرامية»، لم يكتف متظاهرو لبنان الذين انطلقوا في تظاهرات تطالب بإسقاط نظام الحكم منذ 17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 بشعاراتهم السابقة، التي استهدفت للمرة الأولى وعلنًا برّي وعقيلته رندا الملقّبة بـ«سيّدة الـ51%»، بالسرقة والفساد.

بل كان واحدًا من الأحداث الأبرز في هذا الحراك الشعبي، إقدام المتظاهرين على إحراق استراحة «الرست هاوس» المعروفة بـ«استراحة صور» التي تملكها رندا بري منذ تسعينات القرن الماضي في مدينة صور اللبنانية، حيث استأجرت السيدة الاستراحة لمدة 99 سنة بـ9 مليون ليرة لبنانية سنويًا.

ومع نفي المكتب الإعلامي لبرّي «أي علاقة لحرمه سواء بالتملك أو الاستثمار العقاري وغير العقاري في مدينة صور، وعلى وجه الخصوص ما ذكر عن استراحة صور السياحية» فإن سكان المدينة الجنوبية ذات اللون السياسي الواحد (غالبيتها من الشيعة) لم يهابوا المساس برموز «حركة أمل» و«حزب الله» وتحديدًا رندا الذي يعد حرق أملاكها تعبيرًا عن تعاظم القهر والجوع والضائقة المادية. وتُتهم رندا بري على وجه التحديد بالسيطرة على غالبية المشاريع التجارية في المنطقة، وبكونها شريكًا أساسيًا في أي مشروع جديد يعتزم فتح أبوابه في الجنوب.

تحدثنا إلى أبو باسل، أحد أبناء الجنوب اللبناني، فقال أن جزء كبير من نساء السياسيين في لبنان يرهقون المالية العامة عبر تأسيس جمعيات يتم تمويلها من جيوب الفقراء، وأبرز النساء في هذا السياق رندا بري، ويضيف أبو باسل: «اسم رندا بري في لبنان وفي الأوساط الشيعية مرادف للفساد والسرقة، لذا كان أول تعبير عن القهر المتظاهرين هو حرق استراحة صور التي تملكها رندا بري»، ويضيف الرجل: «هؤلاء يملكون الملايين – إن لم نقل المليارات من الدولارات – ونحن نتسأل من أين هذه الأموال في الوقت الذي يعاني فيه الشعب اللبناني من فقر لم يسبق له مثيل».

ويوضح الرجل خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «في الوعي العام اللبناني اسم بري مرادف للفساد متل غيره من المسؤولين الذين تولوا السلطة بعد انتهاء الحرب اللبنانية، فبري وعبر منصبه رئيسًا لمجلس النواب استطاع الاستحواذ على جزء كبير من مقدرات البلد، وقد ظهر هذا الأمر جليًا عبر المشاريع الضخمة لرندا، لا سيما في الجنوب اللبناني وبشكل خاص مدينة صور».

ولأن الحوار مع مواطن لبناني لا يخلو من الطرافة، رد أبو باسل على سؤال حول دوافع تركيز المتظاهرين على رندا بري أكثر من زوجها برغم اتهام الطرفين بالفساد، قال أبو باسل بلهجته العامية: «بصراحة زوجها لص بس دمو خفيف مهضوم، بس هي سئيلة (شخص مكروه)».

«حزب الله» و«حركة أمل».. صراع الأفيال في الجنوب

«عائلة برّي تملك نحو ملياري دولار أمريكي، وهي تقريبًا أكبر مالك للأراضي في جنوب لبنان، وبري يتلقى شهريًا 400 ألف دولار أمريكي من إيران، يستخدم ربع المال للحفاظ على مناصريه، ويترك الباقي في جيبه»، هذا ما قال  السياسي اللبناني، محمد عبيد، أحد خصوم بري، لصحيفة «الأخبار» اللبنانية المقربة من «حزب الله اللبناني».

قد يكون من الغريب العلم أن حالة من التوتر بين الثنائي الشيعي في الجنوب اللبناني، قد دفعت كلا الطرفين إلى تقديم الآخر «كبش فداء» يتحمل وحده دون الآخر مسؤولية الفساد في الجنوب اللبناني.

فـ«حزب الله اللبناني» اتهم حليفه الشيعي المتقارب معه دومًا «حركة أمل»، أكثر من مرة بالمسؤولية عن الفساد في الطائفة الشيعية والبلد. وحدث في يناير (كانون الثاني) الفائت أن اتهم أنصار «حزب الله» رئيس مجلس النواب نبيه بري وزوجته رندا وأبنائهم بالفساد عبر أخذ نسبة 51% من أي مشروع تجاري يُقام في الجنوب، ولم يكتف الحزب في أن يقدم نفسه أنه المحارب الأول للفساد، بل اختزل الفاسدين بـ«حركة أمل» ومسؤوليها؛ مما دفع الأخيرة لنشر ملفات فساد متعلقة بالحزب، أبرزها ملف تعويضات «حرب تموز 2006»، وملف البلديات وبعض المشاريع التابعة لـ«حزب الله» في الجنوب، إضافة إلى تهريب الدخان والأسلحة.

يقول الصحافي والمحلل السياسي الشيعي علي الأمين: إن «مطالب الشارع كلها محقة، البطالة وغلاء المعيشة والفساد المستشري، لكن تحت هذا السقف هناك صراع ضمني بين «حركة أمل» و«حزب الله»، ذلك أن الأخير يريد تبرئة نفسه من المسؤولية عما يحصل، فقدم بري وزوجته رندا كبش فداء ومسؤولين عن الفساد. وفي الوقت نفسه قد يضطر بري و«حركة أمل» للسكوت على مضض، لكنهم لن يقصّروا وسيردون بطريقة ما في المستقبل».

ويضيف الأمين لـ«إندبندنت عربية» أن «الهجوم على بري أصبحت له جذور موضوعية، أي الفساد، والظروف الحالية هي من أخذت الموضوع بهذا الاتجاه، فقام الحزب بوضع بري في الواجهة، لكن ما يميز هذا التحرك عن كل التحركات السابقة، هو المؤشر الشيعي بالمعنى السياسي العميق، وانفجار الشارع الشيعي».

شاهد أيضاً

أشهر الانقلابات في العالم العربي – أحدها تم خلال مباراة كرة – والدولة الأكثر معاناة منه

تعيد إطاحة الجيش السوداني بالحكومة المدنية الانتقالية للأذهان سلسلة طويلة من الانقلابات في العالم العربي، …

%d مدونون معجبون بهذه: