لم تكن مجرد شهادات أمام الكونغرس، ولا مجرد صور مسرّبة من دهاليز الموت… ما كشفه محمد عفيف نايفة، المعروف بـ”حفار القبور”، وفريد المذهان، الملقب بـ”قيصر”، هو أقرب إلى فتح القبور الجماعية التي حاول نظام بشار الأسد أن يطمر بها الذاكرة والعدالة، ومعها كل ما تبقّى من ملامح الدولة والكرامة.
في أول ظهور علني له، كشف حفّار القبور عن اسمه وهويته: محمد عفيف نايفة، من دمشق، الرجل الذي رأى الموت في عين الجثة، والذي دفن بأيديه آلاف الضحايا ممن قضوا تحت التعذيب في زنازين النظام السوري بين عامي 2011 و2018. جثث لأطفال ونساء، لشيوخ وشباب، أُخرجت من فروع الموت محملة في شاحنات كأنها نفايات بشرية، وأُلقيت في مقابر جماعية بلا اسم ولا رقم.
شهادات نايفة، مدعومة بعشرات الآلاف من الصور التي سربها “قيصر” — العسكري المنشق عن الشرطة العسكرية — كانت بمثابة صاعق انفجار أخلاقي في وجه العالم، كأن لسان حالهما يقول: هل رأيتم ماذا فعل بشار الأسد بشعبه؟ هل ستبقون صامتين؟
55 ألف صورة وثّقها “قيصر” لجثث مهشّمة، وأجساد أنهكها التعذيب الممنهج. هذه الصور، التي هزّت أروقة القرار الأميركي، لم تكن مشاهد عابرة، بل أدلة دامغة على وجود آلة قتل جماعي بإدارة دولة، لا تختلف في وحشيتها عن أسوأ الديكتاتوريات في التاريخ.
ومع أن النظام قد سقط أخيراً، بحسب ما تؤكده تقارير المعارضة ووكالات دولية، فإنّ الحقيقة المُرّة أن عدالة الضحايا ما زالت مؤجّلة، والجراح التي خلفتها تلك السنوات السوداء لم تُرمّم بعد.
اللافت أن نايفة، رغم كونه أحد أهم الشهود على هذه المجازر، دعا إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن الشعب السوري، قائلاً إن الشعب لا يزال يدفع ثمن الجرائم التي لم يرتكبها. وهو بذلك يوجّه سهماً مزدوجاً: الأول للنظام الذي قتل شعبه، والثاني للمجتمع الدولي الذي ما زال يعاقب الضحية، بدل أن يلاحق الجلاد.
نظام بشار الأسد لم يسقط فقط سياسياً، بل أخلاقياً وتاريخياً. هذا نظام أدار سجونًا لا تقل رعباً عن أوشفيتز، ونفّذ سياسة تهجير ممنهجة جعلت نصف السوريين بين لاجئ ونازح، وحوّل البلاد إلى ساحة للميليشيات والتدخلات الأجنبية.
الأسد لم يكن رئيساً، بل حفّارًا للدولة، للمدن، وللذاكرة. اليوم، وبعد أن خرج “حفّار القبور” و”قيصر” من الظلال، لم يعد بالإمكان إنكار الحقيقة: سوريا تحت حكم الأسد لم تكن دولة، بل مسلخًا بشريًا مرخّصًا من الصمت الدولي.
والسؤال الذي يبقى: هل يكفي أن نعرف الحقيقة، أم أن زمن العدالة قد حان؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار