فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في مصر، لا تكاد تخلو نقاشات السياسيين والباحثين والاقتصاديين، وحتى أحاديث المواطنين البسطاء في المقاهي ووسائل المواصلات، من شكوى تتعلق بغياب الشفافية حول الأرقام الرسمية. أرقام التضخم، البطالة، الدين العام، الميزان التجاري، أو حتى الإنفاق على الصحة والتعليم.. كلها تدور في دوائر من الغموض والتضارب، وأحيانًا الكذب الصريح، ما يجعل الواقع الاقتصادي غامضًا، ويصعب معه بناء سياسات رشيدة أو قرارات شخصية واعية.
مؤشر يكشف الحقيقة
حلّت مصر في المرتبة 130 من بين 180 دولة على مؤشر الشفافية الدولية، وهو رقم صادم يعكس تراجعًا خطيرًا في الالتزام بمعايير الإفصاح والوضوح. ويعود هذا التراجع – بحسب خبراء – إلى سببين رئيسيين:
-
التعمد في إخفاء الحقائق عبر السكوت عن الأرقام الدقيقة أو استبدالها بأخرى جزافية.
-
التباين بين القيمة السوقية والدفترية للأصول، كما في تقدير أسعار الأراضي والعقارات، ما يفتح بابًا للاجتهادات المتناقضة.
الأرقام رهينة “الأمن القومي”
أجهزة الدولة المختصة مثل جهاز التعبئة العامة والإحصاء لم تعد صاحبة الكلمة الأخيرة في إعلان البيانات، إذ بات القرار مرهونًا بالسلطة السياسية، تحت ذريعة “الأمن القومي”. وبذلك يُغلق الطريق أمام حق دستوري أصيل يكفله الدستور المصري في مادته (68) حول تداول المعلومات. لكن النصوص تبقى حبرًا على ورق، بينما يظل الامتناع عن الإفصاح بلا مساءلة أو عقاب.
ذكريات شخصية
أحد الباحثين يروي كيف رفضت وزارة العدل منحه نسخة من ميزانيتها خلال عمله على كتاب أكاديمي، رغم خطاب رسمي من مركز الأهرام. حتى مجلس النواب، الذي يُفترض أن يراقب المال العام، لم يقدّم شيئًا. هذه الواقعة ليست استثناء، بل قاعدة تتكرر مع كثير من الباحثين.
فوضى في الأرقام
الأزمة تتعمق أكثر حين تصدر أرقام متضاربة من أكثر من جهة رسمية: وزارة المالية، وزارة التعاون الدولي، اللجان البرلمانية، الإعلام، والتقارير الدولية. مثال ذلك ملف الديون الخارجية، الذي لا يوجد له رقم موحّد أو ثابت. أما الاقتصاد غير الرسمي، فحجمه الكبير يجعل تأثيره أكبر من قدرة التقارير الرسمية على رصده بدقة.
الكذب بالأرقام
عندما تضغط الأسئلة الشعبية على السلطة، تلجأ الحكومات – كما يقول الخبراء – إلى “الكذب بالأرقام”. فالإحصاءات تُنتقى وتُوظف في الدعاية السياسية، وتُعرض على الشاشات لتجميل صورة الأداء الاقتصادي.
وهنا يستشهد البعض بكتاب “كيف تكذب بالإحصاء” لداريل هوف، الذي يحذر من أن الأرقام قد تتحول من وسيلة لكشف الحقائق إلى أداة للتضليل والتشويش، إذا جُمعت أو قُرئت أو وُظفت على نحو متحيز.
باحثون بلا أدوات
أمام هذه المتاهة، يبتكر الباحثون طرقًا بديلة: إعداد متوسطات تقديرية، بناء معادلات تقريبية، أو الجمع بين الأرقام الجزئية والتحليل الكيفي، في محاولة للاقتراب من الصورة الحقيقية. لكن يظل ذلك تحايلاً علمياً اضطرارياً في مواجهة التعتيم.
من يُحاسَب؟
في النهاية، يصبح المواطن هو الخاسر الأكبر، إذ يحرم من حقه في معرفة كيف تُدار ثروات بلده وأين تُنفق أمواله. ويؤكد الخبراء أن من غير العدل اتهام الباحثين بنشر أخبار كاذبة إن اجتهدوا في سد فراغ صنعته الدولة، بل الواجب أن تُحاسَب الجهات التي منعت الإفصاح وأغلقت باب الشفافية.
خلاصة:
غياب الأرقام الدقيقة ليس مسألة تقنية بحتة، بل أزمة سياسية واقتصادية عميقة تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فبينما يحتاج المواطن إلى الوضوح ليبني قراراته، تصر السلطة على إدارة الاقتصاد في الظل، لتبقى الحقيقة غائبة.. ويظل السؤال مطروحًا: إلى متى تظل مصر بلا أرقام؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار