فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
منذ عقود طويلة، تسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى تثبيت حضورها في القارة الإفريقية، ضمن استراتيجية تقوم على الانفتاح وتوسيع دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني. ووفق بيانات وزارة الخارجية الإسرائيلية، تقيم تل أبيب علاقات رسمية مع أكثر من 40 دولة إفريقية، لكن العلاقة الأكثر رسوخًا وعمقًا تظل مع إثيوبيا، التي تحولت إلى حجر زاوية استراتيجي لإسرائيل في قلب القرن الإفريقي.
جذور تاريخية وتحالف استراتيجي
تعود بداية التقارب بين تل أبيب وأديس أبابا إلى ما قبل إعلان قيام إسرائيل، حين التقى وفد إثيوبي عام 1921 بقادة الحركة الصهيونية. ومع قيام الدولة العبرية، رسّخت تل أبيب علاقتها مع إثيوبيا ضمن ما عُرف بـ”حلف الأطراف”، الذي ضم أيضًا تركيا وإيران، بهدف مواجهة المد القومي العربي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
خلال تلك المرحلة، اعتبرت إسرائيل إثيوبيا بوابتها نحو القارة السمراء، وموقعًا استراتيجيًا يتيح لها موطئ قدم على البحر الأحمر، لتصبح الأخيرة من أكثر الدول التي استثمرت فيها تل أبيب سياسيًا وأمنيًا.
تعاون عسكري وأمني عابر للانقطاعات
رغم قطع العلاقات الرسمية بعد حرب أكتوبر 1973، استمرت الاتصالات الأمنية والعسكرية سرًا، إذ زودت إسرائيل نظام “الدرغ” بالأسلحة والمستشارين، مقابل تسهيلات لتهجير يهود “بيتا إسرائيل” (الفلاشا). وبعد استعادة العلاقات رسميًا عام 1989، توسع التعاون ليشمل مجالات متعددة، وصولًا إلى الاتفاقية الشاملة الموقعة في فبراير/شباط 2025، التي نصت على مشاريع كبرى في المياه والطاقة والابتكار والتكنولوجيا.
المصالح الإسرائيلية في إثيوبيا
من منظور إسرائيلي، فإن تعزيز العلاقة مع أديس أبابا يخدم جملة من الأهداف:
-
اقتصاديًا: تأمين شراكات تجارية واستيراد المنتجات الزراعية، وتحويل إثيوبيا إلى “سلة غذاء احتياطية”، بالإضافة إلى ضمان طرق الشحن عبر البحر الأحمر.
-
عسكريًا وأمنيًا: تصدير السلاح والتكنولوجيا، وتدريب القوات الإثيوبية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، بما يضمن لإسرائيل نفوذًا مؤثرًا في منطقة القرن الإفريقي ومضيق باب المندب.
-
سياسيًا: كسب الدعم الإثيوبي في المحافل الدولية، وسحبها من دائرة الدعم التقليدي للقضية الفلسطينية.
-
استراتيجيًا: بناء تحالفات إقليمية ضد الجماعات الإسلامية، وتطويق النفوذ الإيراني والحوثي في المنطقة.
الاستثمار الزراعي ومشروع “إسرائيل الثانية”
الزراعة تمثل البوابة الأوسع لإسرائيل داخل إثيوبيا، حيث حصلت شركات إسرائيلية على عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الخصبة، لتطوير مشاريع في القطن والحبوب والخضروات وتربية المواشي. ويُنظر إلى هذه الاستثمارات باعتبارها وسيلة غير مباشرة لتعويض ندرة المياه في إسرائيل، وحتى الاستفادة من مياه النيل.
يهود إثيوبيا بين “الهجرة” والتمييز
منذ سبعينيات القرن الماضي، عملت الحكومات الإسرائيلية على تهجير عشرات الآلاف من يهود الفلاشا إلى إسرائيل عبر عمليات سرية، مثل “عملية موسى” عام 1984. غير أن اندماجهم في المجتمع الإسرائيلي ظل صعبًا، بسبب العنصرية والتمييز. ورغم أن عددهم اليوم يناهز 135 ألف شخص، إلا أنهم يعيشون غالبًا في ظروف هامشية، ويعانون من سياسات استيعاب جماعية جعلتهم في نظر كثيرين “مواطنين من الدرجة الثالثة”.
سد النهضة.. ورقة حساسة
يبقى ملف “سد النهضة” الأكثر إثارة للجدل في العلاقات الثلاثية بين إسرائيل ومصر وإثيوبيا. ورغم نفي تل أبيب رسميًا وجود أي دور مباشر في حماية السد، فإن الشكوك المصرية قائمة. ويعتقد خبراء أن إسرائيل ترى في السد أداة لتقوية إثيوبيا إقليميًا، وهو ما قد يضعف الموقف المصري في مفاوضات المياه.
ويرى محللون أن الاتفاقية الإثيوبية–الإسرائيلية الشاملة الأخيرة، ليست مجرد تعاون اقتصادي، بل جزء من رؤية أوسع لإعادة رسم موازين القوى في إفريقيا، عبر تمكين أديس أبابا كقوة إقليمية، بما يتماشى مع مصالح واشنطن وتل أبيب، ويضع القاهرة أمام تحديات استراتيجية معقدة.
خلاصة
إسرائيل لم تنظر يومًا إلى إفريقيا باعتبارها هامشًا جغرافيًا، بل كعمق استراتيجي لا يقل أهمية عن الشرق الأوسط. وإثيوبيا، بموقعها الجغرافي وثقلها السكاني والسياسي، تمثل بالنسبة لتل أبيب بوابة نحو النفوذ في القارة وورقة ضغط في معادلات الشرق الأوسط، بما في ذلك ملف مياه النيل وسد النهضة.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار