فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
يُروَّج أحيانًا لمنطقٍ مُضلِّل مفاده أن تمكين الحاكم في الأرض دليلُ رضا إلهي عنه، وأن وجوده على الكرسي شهادةُ صلاحٍ لا يجوز مساءلتها. هذا منطقٌ يُضحك على العقول ويصادر جوهر العدل، لأن سؤال الرضا الإلهي لا يُقاس بالسلطة، بل بالميزان الذي قامت به السماوات والأرض: العدل.
هل كل من مُنح المُلك كان محبوبًا عند الله؟ لو صحّ ذلك لانتفى معنى الابتلاء، ولتلاشى الفرق بين العادل والظالم. التاريخ والدين يقولان عكس ذلك. النمرود مُكِّن في الأرض حتى ادّعى الألوهية، فكان من أظلم من وطئت أقدامهم الأرض. وفرعون قال: «أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي»، ومع ذلك كان طاغيةً متجبرًا، جعل المُلك وسيلةً للاستعباد والقتل.
ولو لم تُخلَّد قصة موسى وفرعون في الكتب السماوية، لسمعنا—كما نسمع اليوم—من يبرّر الطغيان باسم التمكين، ويجرّم الاعتراض بدعوى الطاعة، ويصف المطالبة بالعدل بأنها «نشر للفوضى». هي ذات التهمة التي وُجِّهت لموسى: «إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد». تتبدّل الأزمنة، وتبقى الأسطوانة نفسها.
في تاريخنا شواهد لا تُحصى على أن المُلك اختبارٌ لا مكافأة. قارون فُتِحت له خزائن تُنوء بحمل مفاتيحها، فلم يكن ذلك رضا، بل ابتلاءً انتهى بالخسف. ويزيد بن معاوية كان خليفة، ومع ذلك ارتُكبت في عهده فواجع هزّت ضمير الأمة. والحجاج بن يوسف امتلك السلطان والهيبة، لكن ظلمه وبطشه شهدا عليه للتاريخ.
من هنا، فإن الصمت عن الظلم بحجة «هذا قدر الله» ليس إيمانًا، بل مشاركة فيه. القدر لا يُلغي المسؤولية، والطاعة لا تُسقِط المحاسبة، وحماية الدولة لا تبرّر سحق الإنسان. الكرسي ليس صكّ غفران، والمُلك ليس شهادة حسن سلوك.
وفي مصر، يتكرّر المشهد الفرعوني بصيغٍ حديثة: سلطةٌ تُقدَّس، ومعارضةٌ تُخوَّن، وأمنٌ يُستَخدم ذريعةً لتكميم الأفواه، ودولةٌ تُختزل في شخص. هي دكتاتورية الجوهر نفسه الذي عرفته العصور، وإن اختلفت الشعارات والأدوات. الفرعون واحد، والوجوه تتبدّل، والمُبرِّرون حاضرون في كل زمان.
سُنّة الله ماضية: يُعطي المُلك ويمنعه، يرفع أقوامًا ويضع آخرين. أمّا الحق فلا يُقاس بطول البقاء على الكرسي، بل بميزان العدل، وبكرامة الإنسان، وبقدرة المجتمع على المحاسبة. من يخلط بين التمكين والرضا، لم يقرأ تاريخًا، ولم يفهم دينًا، ولم يتأمل سنن الله في الظالمين.
الخلاصة: المُلك ابتلاء، والعدل معيار. وكل سلطةٍ تُحارِب السؤال وتخشى المحاسبة، إنما تعيد إنتاج الفرعون—ولو بعد حين.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار