الإثنين , 18 مايو 2026

العدالة المؤجلة… حين مهّدت التحقيقات للانقلاب

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

لا يمكن مناقشة مستقبل مصر أو مستقبل الجيش بمعزلٍ عن لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، لحظة اختلط فيها الدم بالسياسة، والعدالة بالقوة، وتحولت فيها مؤسسات يفترض أن تحمي الدولة إلى أدوات لحماية المتورطين في الجرائم.

في الجزء الأول من هذه السلسلة، توقفنا عند مرحلة ما بعد تنحي حسني مبارك، حين انفرد المجلس العسكري بالسلطة، واستُخدم الجيش في مواجهة الشعب، لا في حمايته. وخلال عام وبضعة أشهر فقط، شهدت مصر سلسلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة، من أحداث ماسبيرو، إلى مجلس الوزراء، ومحمد محمود، وصولًا إلى ما عُرف بـ«كشوف العذرية» التي انتهكت كرامة ثماني عشرة فتاة وسيدة مصرية.
كل ذلك جرى في وقتٍ لم يكن فيه مبارك في الحكم، ولم يكن التيار الإسلامي قد تسلم السلطة بعد، بل كانت الدولة بكل مؤسساتها في قبضة المجلس العسكري، وكان عبد الفتاح السيسي حاضرًا في قلب المشهد بصفته عضوًا في المجلس ورئيسًا للمخابرات الحربية.

مع انتخاب الرئيس الراحل محمد مرسي في أول انتخابات حرة شهد العالم بنزاهتها، برزت محاولة جادة لإعادة فتح ملف العدالة. وكان من أبرز قراراته عزل النائب العام عبد المجيد محمود، الذي وُجهت إليه اتهامات واسعة بإفساد التحقيقات في قضايا قتل الثوار، والتعامل مع المجلس العسكري بوصفه سلطة فوق المساءلة.

تحت إشراف هذا النائب العام، جرى تبرئة المجلس العسكري من أي مسؤولية، وتوجيه الاتهام إلى أبرياء، بعضهم من بقايا نظام مبارك، في عملية وُصفت بأنها خلط متعمد للأوراق، هدفها حماية الفاعلين الحقيقيين.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شُكلت لجنة قضائية قُدمت للرأي العام باعتبارها «محايدة»، لتجميع أدلة قضايا قتل المتظاهرين. ترأس هذه اللجنة المستشار عمر مروان، بتكليف مباشر من المجلس العسكري.

التقرير الذي خرجت به اللجنة كان كاشفًا أكثر مما كان مُبرئًا: إذ غسل يد كل أعضاء المجلس العسكري من أي جريمة، وخلط بين الجناة الحقيقيين والأبرياء، في واحدة من أكثر عمليات تضليل العدالة فجاجة في تاريخ مصر الحديث.

لكن المفارقة لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد انقلاب 3 يوليو 2013، كافأ عبد الفتاح السيسي المستشار عمر مروان بسلسلة من المناصب الحساسة: من أمين عام اللجنة العليا للانتخابات، إلى مساعد وزير العدل، ثم وزير الدولة لشؤون مجلس النواب، فوزيرًا للعدل، وصولًا إلى تعيينه مديرًا لمكتب رئيس الجمهورية في الذكرى الحادية عشرة للانقلاب. مسارٌ وظيفي يكشف بوضوح كيف تُكافأ «الخدمات السياسية» حين تكون على حساب العدالة.

حين أدرك الرئيس محمد مرسي حجم الفساد الذي شاب التحقيقات، أصدر إعلانًا دستوريًا أعاد بموجبه فتح ملفات قتل المتظاهرين، وعيّن نائبًا عامًا جديدًا مشهودًا له بالنزاهة، هو المستشار طلعت عبد الله، الذي أسس «نيابة الثورة» وبدأ التحقيق من جديد، سعيًا إلى إنصاف أسر الضحايا، ومنع محاكمة الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها.

هنا، شعر السيسي بالخطر الحقيقي. فالزمن لم يعد في صالحه، والتحقيقات الجادة كانت كفيلة بكشف اليد الخفية التي أطلقت الرصاص خلال حكم المجلس العسكري. وكان الخيار الوحيد المتاح، من وجهة نظره، هو التخلص السريع من التجربة الديمقراطية، مهما كانت الكلفة من دماء المصريين، أو من توريط ضباط وجنود في جرائم لم تُرتكب إلا لحماية قادتهم.

إن استحضار هذه الوقائع ليس استهدافًا للجيش المصري كمؤسسة وطنية، ولا انتقاصًا من تضحيات جنوده وضباطه الشرفاء. بل على العكس، هو محاولة لإنقاذ صورة الجيش من قبضة قلة فاسدة زجّت به في صراع مع شعبه، وربطت مستقبله بمصيرها.

هذه السلسلة لا تنظر إلى الماضي بدافع الثأر، بل بدافع الفهم. فمستقبل مصر، ومكانة جيشها، لن يُبنيا على إنكار الجرائم، ولا على دفن الحقيقة، بل على عدالة حقيقية، ومحاسبة شفافة، وفصلٍ واضح بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية.

وفي المقال القادم، نكمل النقاش حول مستقبل مصر ومستقبل الجيش (3)… حين يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن إنقاذ الدولة قبل أن يبتلعها التاريخ نفسه الذي حاولت طمسه؟

تحقق أيضًا

«صيف الاختناق المروري».. فيينا تواجه شللًا واسعًا بعد إغلاق 7 خطوط ترام رئيسية

تعيش العاصمة النمساوية Vienna حالة من الجدل والغضب المتصاعد، بعد إعلان شركة النقل العام Wiener Linien عن إغلاق شامل ومفاجئ لتقاطع سككي رئيسي في منطقة Alsergrund، ابتداءً

error: Content is protected !!