شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
في مشهد غير مسبوق داخل أروقة القضاء المصري، تتصاعد حالة من الغضب والارتباك بين كبار القضاة والمستشارين، بعد استبعاد عشرات من أبناء القضاة من التعيينات بالهيئات والجهات القضائية، عقب سقوطهم في اختبارات ودورات تشرف عليها الأكاديمية العسكرية، بينما يتردد داخل الأوساط القضائية سؤال خطير: هل أصبحت المؤسسة العسكرية صاحبة القرار الفعلي في بوابة القضاء المصري؟
التطور الجديد لا يتعلق فقط بإجراءات إدارية أو اختبارات لياقة، بل يكشف – بحسب مصادر قضائية غاضبة – عن تحول عميق في طبيعة العلاقة بين القضاء والمؤسسة العسكرية، بعدما باتت الأخيرة تمتلك سلطة “القبول والرفض” في تعيين أعضاء النيابة والقضاء، وهي صلاحيات كانت تاريخيًا حكرًا على المجالس القضائية وحدها.
أبناء القضاة خارج اللعبة
للعام الثاني على التوالي، شهدت الهيئات القضائية موجة استبعاد واسعة طالت أبناء مستشارين وقضاة كانوا قد اجتازوا بالفعل المراحل القضائية التقليدية، من المقابلات والتحريات وحتى الموافقات النهائية، قبل أن تتوقف أحلامهم على “فلتر” جديد داخل الأكاديمية العسكرية.
ووفق المعطيات المتداولة داخل الأوساط القضائية، بلغ عدد المستبعدين هذا العام 105 مرشحين من دفعات النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية، بعد رسوبهم في اختبارات بدنية وطبية وأمنية، تتضمن شروطًا أقرب إلى معايير الكليات العسكرية منها إلى طبيعة العمل القضائي.
مصادر قضائية وصفت ما يجري بأنه “إعادة هندسة صامتة” لمؤسسات العدالة، معتبرة أن المؤسسة العسكرية لم تعد تكتفي بالنفوذ السياسي والاقتصادي، بل أصبحت تتدخل أيضًا في تشكيل البنية البشرية للقضاء نفسه.
من يحكم القضاء؟ القانون أم اللياقة البدنية؟
الصدمة الأكبر داخل الوسط القضائي لم تكن فقط في الأعداد المستبعدة، بل في طبيعة أسباب الاستبعاد نفسها.
فبحسب المصادر، تم رفض بعض المرشحين بسبب زيادة الوزن، أو ضعف اللياقة الرياضية، أو معايير طبية صارمة لا علاقة لها بالكفاءة القانونية أو العلمية. أحد القضاة كشف أن نجله تم استبعاده بسبب تجاوزه الوزن المطلوب بعشرة كيلوغرامات فقط، رغم نجاحه في جميع الاختبارات القضائية الأخرى.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات خطيرة:
كيف تحولت وظيفة القاضي من عقل قانوني مستقل إلى نموذج بدني يخضع لمعايير عسكرية؟
وهل أصبحت “الطاعة والانضباط” أهم من الفكر القانوني والاستقلال القضائي؟
نهاية “توريث القضاء” أم بداية “عسكرة العدالة”؟
لسنوات طويلة تعرض القضاء المصري لانتقادات بسبب ما عُرف إعلاميًا بـ”توريث القضاء”، حيث كان أبناء المستشارين يحظون بفرص واسعة داخل النيابة والهيئات القضائية.
لكن المفارقة الصادمة اليوم، بحسب مراقبين، أن إنهاء نفوذ أبناء القضاة لم يؤدِّ إلى تحقيق العدالة الاجتماعية أو فتح الباب أمام الكفاءات المدنية، بل فتح الباب – وفق تعبير مصادر غاضبة – أمام تمدد النفوذ العسكري داخل مؤسسات الدولة، حتى داخل السلطة القضائية نفسها.
ويرى حقوقيون أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بالتعيينات، بل بطبيعة الدولة المصرية التي تتجه تدريجيًا نحو مركزية كاملة للسلطة، تصبح فيها كل المؤسسات – بما فيها القضاء – خاضعة لمعايير وأدوات المؤسسة الأمنية والعسكرية.
القضاة الغاضبون.. صدمة غير مسبوقة
مصادر قضائية تحدثت عن حالة غضب مكتومة داخل الهيئات القضائية، خاصة بعد استبعاد أبناء شخصيات قضائية بارزة، الأمر الذي دفع بعض المستشارين للتحرك عبر شكاوى وتظلمات داخلية، فيما يدرس آخرون اللجوء إلى القضاء للطعن على قرارات الاستبعاد.
لكن خلف هذا الغضب، يدرك كثيرون أن الأزمة تتجاوز مصير أبناء القضاة أنفسهم، لتصل إلى سؤال أكثر خطورة:
هل ما يزال القضاء سلطة مستقلة فعلًا، أم أصبح مجرد مؤسسة تُدار وفق توازنات أمنية وعسكرية؟
“تحيا مصر”.. لكن لمن؟
في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخه الحديث، تبدو مؤسسات الدولة وكأنها تتحول تدريجيًا إلى مساحات مغلقة تُدار وفق منطق الولاء والنفوذ، لا وفق الكفاءة أو استقلال المؤسسات.
أما المواطن العادي، الذي كان يحلم يومًا بقضاء مستقل يحمي الحقوق والحريات، فيجد نفسه أمام مشهد أكثر قتامة:
جيش يتمدد في الاقتصاد والإعلام والسياسة… واليوم في القضاء أيضًا.
ويبقى السؤال الذي يتردد همسًا داخل أروقة العدالة:
هل أصبحت مصر دولة مؤسسات فعلًا… أم دولة مؤسسة واحدة؟
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار