ماذا تخفي الوساطة الإماراتية بين النظام السوري وإسرائيل؟ وهل نقترب من “سلام مقابل البقاء”؟
في الوقت الذي تنشغل فيه الشعوب العربية بمآسي غزة ودمار سوريا وتهجير اللاجئين، يتحرك مشروع التطبيع الإقليمي بهدوء وثقة، متجاوزًا الشعارات والهويات، ليرسم خريطة جديدة للمنطقة تُبنى خلف الأبواب المغلقة. آخر هذه التحولات، وأخطرها، ما كشفته وكالة “رويترز” عن لقاءات سرية بين النظام السوري بقيادة أحمد الشرع ومسؤولين إسرائيليين، بوساطة إماراتية فاعلة من بوابة أبوظبي.
اللقاءات التي جرت بعيدًا عن كاميرات الإعلام وصخب السياسة، لا تُعدّ مجرد خطوة دبلوماسية عابرة. إنها مؤشر على تصاعد دور الإمارات كعرّاب صفقات التطبيع في المنطقة، وقدرتها على نسج خيوط بين أطراف كانت حتى الأمس القريب تعتبر بعضها “عدوًا وجوديًا”.
البداية من أبوظبي.. حيث تتقاطع المصالح
في أبريل 2025، زار الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع العاصمة الإماراتية، في أول زيارة خارجية له منذ وصوله إلى الحكم خلفًا لبشار الأسد. حينها، قرأ كثيرون الخطوة على أنها “انفتاح سياسي” أو “بحث عن دعم اقتصادي”. لكن ما لم يُعلن آنذاك أن الزيارة كانت البوابة الفعلية لانطلاق حوار سري مع إسرائيل، بإشراف جهاز الأمن الإماراتي ومشاركة مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين.
وفقًا لتسريبات “رويترز”، فإن المحادثات تمحورت حول تنسيق استخباراتي مشترك، وإعادة ضبط قواعد الاشتباك في الجنوب السوري، مع وعود بتهدئة الضربات الجوية الإسرائيلية مقابل التزام سوري بإبعاد “النفوذ الإيراني” عن الحدود.
النظام السوري الجديد.. من معاداة إسرائيل إلى تودد صامت؟
تغيّر الخطاب الرسمي في دمشق لم يأتِ من فراغ. فالرئيس الجديد أحمد الشرع، الذي قدّمه الإعلام الرسمي كوريث “إصلاحي” و”براغماتي”، سرعان ما بدأ بخطوات لافتة أثارت انتباه العواصم الإقليمية:
-
اعتقال شخصيات محسوبة على فصائل المقاومة الفلسطينية في دمشق وريفها، في رسالة مباشرة بأن زمن “الحاضنة” قد انتهى.
-
التقارب مع الإمارات والسعودية، واستقبال وفود تجارية ودبلوماسية، رغم عدم حصوله بعد على اعتراف دولي واسع.
-
رسائل غير مباشرة إلى الجاليات اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة، تتحدث عن “الانفتاح السوري” و”رفض معاداة السامية”، في خطاب مغاير تمامًا لما اعتادته دمشق.
هذه المؤشرات تطرح تساؤلًا مشروعًا: هل يُمهّد الشرع لنقلة استراتيجية تجعل من دمشق لاعبًا مقبولًا في “شرق أوسط جديد”، ولو على حساب القضية الفلسطينية؟
الإمارات.. الوسيط المفضل لإسرائيل
منذ توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، تحوّلت الإمارات إلى محور محوري في مشروع إعادة هيكلة العلاقات العربية مع إسرائيل. فهي الدولة التي جمعت بين المال والنفوذ، وبين الخطاب “الحداثي” والولاء السياسي لواشنطن وتل أبيب.
اليوم، تستخدم أبوظبي هذا الدور لتعزيز مكانتها الإقليمية كوسيط لا غنى عنه. وساطتها بين سوريا وإسرائيل تأتي في هذا الإطار، خصوصًا في ظل تقاطع المصالح:
-
إسرائيل تبحث عن تقليص النفوذ الإيراني في سوريا دون خوض حرب شاملة.
-
النظام السوري يسعى للخروج من العزلة، وكسر الحصار السياسي والاقتصادي بأي ثمن.
-
الإمارات تريد توسيع خارطة تطبيعها، لتصبح مركز قرار إقليمي يقود ملفات الأمن والسلام.
بين التنسيق الأمني والتطبيع السياسي: ما الذي يجري؟
حتى الآن، لم تُعلن الأطراف الثلاثة عن أي اتفاق رسمي، لكن طبيعة المواضيع التي نوقشت في اللقاءات تكشف النوايا:
-
ملفات أمنية دقيقة تتعلق بحركة الميليشيات الموالية لإيران، ونشاطات “حزب الله” في الجنوب السوري.
-
ممرات تجارية واقتصادية مستقبلية، تمر عبر الأراضي السورية، وتربط إسرائيل بالخليج عبر الأردن.
-
ضمانات سياسية بعدم السماح لأي تهديد ينطلق من الأراضي السورية ضد إسرائيل.
هذه ليست مجرد “تنسيقات حدودية”. إنها، بكل وضوح، ملامح تطبيع تدريجي ينطلق من الأمن وقد يمر لاحقًا إلى الاقتصاد ثم السياسة.
ماذا عن الشعب السوري؟ وأين فلسطين في المعادلة؟
في المشهد الرسمي، لا صوت للشعب السوري. فبعد حرب دمرت البلاد، وتهجير ملايين، وجرائم ارتكبت بحق المدنيين، لا يُستشار المواطن اليوم في الخيارات المصيرية. أما فلسطين، التي كانت يومًا “قلب العروبة النابض”، فقد تحوّلت إلى بند ثانوي، أو “تفصيل مزعج” في طريق إعادة تأهيل النظام إقليميًا.
الخطير في هذا التطور أن التطبيع لم يعد يُفرض من قمة السلطة فقط، بل يُصنع خلف ظهر الشعوب، ويُسوّق كـ”مصلحة وطنية عليا” أو “فرصة للخروج من الأزمة”. والنتيجة: خيانة مزدوجة للدم السوري والفلسطيني، في آنٍ واحد.
الخاتمة:
من دمشق إلى تل أبيب، مرورًا بأبوظبي، تُكتب فصول جديدة من كتاب الشرق الأوسط. لا أحد ينتخب هذا المستقبل، ولا أحد يستشير من فقدوا أبناءهم في المعتقلات أو تحت القصف.
السؤال الذي يصرخ في وجه الجميع:
إذا سقطت دمشق في فخ التطبيع، فماذا بقي من حصون القضية؟
وهل يُعقل أن يُعاد تأهيل نظام دمّر شعبه.. فقط لأنه فتح بوابة خلفية نحو إسرائيل؟
https://youtu.be/ALrI4zMSLAM
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار