فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في مشهد يعكس بوضوح استراتيجية النفوذ “الناعم والخفي” التي تتقنها أبوظبي، أعلنت شركة “موانئ دبي العالمية” توقيع اتفاقية كبرى بقيمة 800 مليون دولار لتشغيل وتطوير ميناء طرطوس السوري لمدة ثلاثين عامًا، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان المشروع اقتصاديًا بحتًا، أم أنه خطوة ضمن أجندة إماراتية أوسع لفرض حضور استراتيجي في شرق المتوسط وسوريا ما بعد الحرب.
من الاستثمار إلى النفوذ
الاتفاق الذي يشمل إعادة تأهيل الميناء وتحديث بنيته التحتية وتوسيعه ليصبح مركزًا تجاريًا ولوجستيًا إقليميًا، لا يُقرأ فقط بلغة الأرقام والعقود، بل يُنظر إليه باعتباره امتدادًا لنمط إماراتي واضح في إدارة النفوذ الإقليمي: السيطرة على الموانئ كمفاتيح للسيطرة الجيوسياسية.
فقد بات معروفًا أن الإمارات لا تسعى إلى النفوذ عبر القوة العسكرية، بل عبر “الهيمنة البنّاءة” على الموانئ الحيوية — من عدن وبربرة في القرن الإفريقي، إلى بورسودان على البحر الأحمر، وها هي اليوم تُضيف طرطوس إلى خريطتها.
طرطوس.. بوابة جديدة تحت المجهر
ميناء طرطوس، الواقع على الساحل الغربي لسوريا، يعد من أهم المرافئ الاستراتيجية في شرق البحر المتوسط، ويشكّل منفذًا طبيعيًا لربط الجنوب الأوروبي بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبتطويره، تسعى أبوظبي إلى تحويله إلى مركز محوري في التجارة الإقليمية وسلاسل التوريد، بالتوازي مع إنشاء مناطق حرة، ومرافق لوجستية حديثة.
لكن خلف هذا الطموح الاقتصادي، يرى خبراء أن الإمارات تستغل هشاشة الدولة السورية وبنيتها المدمرة، لتثبيت أقدامها في ملف إعادة الإعمار، وربما المشاركة لاحقًا في إعادة تشكيل خارطة النفوذ داخل سوريا نفسها.
ما وراء الاقتصاد: نفوذ بلا جيوش
ما يُثير الانتباه هو أن هذه ليست المرة الأولى التي تبدأ فيها الإمارات من “الميناء” لتصل إلى ما هو أبعد. فقد شهد السودان تجربة مشابهة، وكذلك اليمن، حيث تحوّلت السيطرة على الموانئ إلى أدوات ضغط سياسي وتحكم بمسارات الصراع.
وبحسب الباحث في الشؤون الخليجية، د. حسن الياسري، فإن “أبوظبي تعتمد على مقاربة تقول: النفوذ عبر البنية التحتية، وليس عبر الحرب. إنها تلقي شباكها بهدوء، لكنها تُمسك جيدًا بالخيوط”.
ويضيف:
“في بلد مثل سوريا، حيث العقوبات والعزلة الغربية تُعقّد فرص الاستثمار، تظهر الإمارات كفاعل إقليمي قادر على خرق العزلة، وتقديم شريان اقتصادي مقابل ولاء سياسي أو على الأقل نفوذ طويل الأمد.”
مَن يُعيد إعمار من؟
الاتفاقية قد تبدو “فرصة ذهبية” للنظام السوري الباحث عن المال والمشاريع في ظل انهيار اقتصادي، لكنها في المقابل تمنح أبوظبي بوابة مباشرة إلى قلب الموانئ السورية، وملفات الطاقة والنقل والتجارة، ما قد يُعيد رسم موازين القوى في الساحة السورية المعقّدة، حيث تتداخل المصالح الروسية والإيرانية والتركية والإماراتية.
طرطوس على خريطة بن زايد
ومع دخول الإمارات إلى طرطوس، تصبح الخريطة الجيوسياسية لمحمد بن زايد أكثر اكتمالًا: من القرن الإفريقي إلى ليبيا، ومن المتوسط إلى الخليج، حيث لا يُشترط رفع الأعلام أو إرسال الجيوش، بل توقيع العقود وبناء الأرصفة وتمويل المشاريع.
وهكذا، لا يبقى السؤال فقط:
“لماذا تستثمر الإمارات في طرطوس؟”
بل أيضًا:
“من يملك مستقبل الموانئ، يملك مفاتيح السيادة والسياسة؟”
بين الرصيف والقرار السيادي، يبدو أن أبوظبي وجدت طريقها إلى دمشق… عبر البحر.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار