فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في مشهد سياسي معقد ومشحون بالتناقضات، وجّه العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة “عيد العرش” دعوة جديدة إلى المصالحة مع الجزائر، داعيًا إلى “علاقات أخوية ومسؤولة” كمدخل لإحياء الاتحاد المغاربي المجمّد منذ عقود.
لكن الخطاب، رغم نبرته التصالحية، يُثير تساؤلات حقيقية حول التوقيت والسياق السياسي الذي أتى فيه، خصوصًا في ظل استمرار المغرب في توطيد علاقاته مع إسرائيل في مختلف المجالات، بما فيها الأمن والدفاع.
بين الرباط والجزائر… “يد ممدودة” وأبواب مغلقة
قال الملك محمد السادس إن “المغرب يفتح دائمًا أبوابه أمام الجزائر، ويتطلع إلى علاقات طبيعية بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية”، معتبرًا أن المصالحة هي مفتاح لمستقبل مشترك وتنمية إقليمية شاملة.
لكن في المقابل، لم يقدّم الخطاب أي تنازل حقيقي أو بادرة ملموسة يمكن أن تبني الثقة المفقودة بين البلدين. فالخلاف بين الرباط والجزائر ليس فقط دبلوماسيًا، بل يتعلّق بملفات حساسة تتصل بقضية الصحراء، والتطبيع مع إسرائيل، والتنافس الإقليمي.
وتتهم الجزائر المغرب باستخدام اتفاقيات التطبيع مع تل أبيب كورقة ضغط جيوسياسية، لا سيما مع التقارير المتزايدة عن تعاون استخباري وأمني مغربي-إسرائيلي يشمل مجالات حساسة مثل تكنولوجيا المراقبة والطائرات المسيرة، وهي شراكات تُثير مخاوف أمنية في الجزائر وتُفسّر – جزئيًا – قرارها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط في عام 2021.
التطبيع… كلمة غير مذكورة في الخطاب لكنها حاضرة بقوة
رغم أن خطاب العرش لم يأتِ على ذكر إسرائيل أو اتفاقيات “أبراهام”، إلا أن غياب الإشارة لا يعني غياب التأثير. فالمغرب اليوم يُعتبر من أكثر الدول العربية اندفاعًا في مسار التطبيع، حيث فتحت سفارة إسرائيلية في الرباط، وتوالت الزيارات الرسمية، وأبرمت اتفاقيات أمنية غير مسبوقة.
ويطرح مراقبون تساؤلًا مشروعًا: هل يمكن دعوة الجزائر إلى المصالحة، بينما يجري تعزيز التحالف مع عدوّها الإقليمي الأول؟ وهل الخطاب مجرد مناورة ديبلوماسية لتحسين صورة المغرب في المنطقة، دون مراجعة حقيقية للخيارات الجيوسياسية المثيرة للجدل؟
الشارع المغاربي منقسم… ورسائل الجزائر صامتة
حتى الآن، لم يصدر عن الجزائر أي رد رسمي على خطاب العرش. لكن الصمت الرسمي لا يمنع تداول واسع وتعليقات شعبية مشككة في “نوايا الرباط”، خصوصًا في ظل استمرار التصريحات المغربية الرسمية التي تصر على أن “الحكم الذاتي هو الحل الوحيد” لقضية الصحراء، في تجاهل لقرارات مجلس الأمن الدولي والمواقف الإفريقية والعربية التي تدعو إلى تسوية تفاوضية عادلة.
ويقول الباحث السياسي المغربي د. نوفل السعيدي إن “الخطاب في حد ذاته يحمل نبرة تصالحية مطلوبة، لكنه يُفقد تأثيره الفعلي عندما يُربط بسياسات تتناقض معه على الأرض”. وأضاف أن “المصالحة لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل تحتاج إلى بيئة إقليمية خالية من الاستفزازات، ومراجعة حقيقية لمسارات التحالف العسكري مع أطراف خارجية“.
مصالحة على إيقاع التطبيع؟
في خضم التوترات الإقليمية في الساحل والصحراء، وتعاظم التحديات الأمنية من ليبيا إلى النيجر، تبدو الحاجة إلى وحدة مغاربية حقيقية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. لكن هل يمكن لهذه الوحدة أن تقوم على أرضية سياسية مزدوجة، تجمع بين اليد الممدودة نحو الجار، والذراع المفتوحة أمام شريك استراتيجي مثير للانقسام؟
الجواب، كما يبدو، لا يزال معلقًا في الفراغ السياسي بين الرباط والجزائر، بينما تراقب الشعوب المغاربية من بعيد، علّ الأفعال تتجاوز الأقوال.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار