فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
لم يعد الوصف مجازًا أدبيًا، بل تشخيصًا سياسيًا دقيقًا.
هكذا قدّم وثائقي قناة Arte الفرنسية–الألمانية (إنتاج 2025) مصر تحت حكم عبد الفتاح السيسي: دولة يحكمها منطق «الفرعون الحديث»، حيث تتكدس السلطة في يد واحدة، وتُدار البلاد بعقلية الثكنة، وتُشيَّد المدن من الإسمنت بينما يتآكل المجتمع من الداخل.
على مدى 54 دقيقة، يخلع الوثائقي الأقنعة عن نظام لا يحكم فقط، بل يُخيف.
كاميرا تتجوّل في شوارع الفقر، ووجوه لمواطنين يتحدثون همسًا، بلا أسماء ولا ملامح واضحة، خوفًا من الاعتقال. الخوف هنا ليس حالة استثنائية، بل مناخ عام. مجتمع بأكمله يتنفس بحذر.
في المشهد المقابل، ترتفع العاصمة الإدارية الجديدة كرمز فجّ للاختلال:
مدينة فارهة تُبنى في قلب الصحراء، بزجاج وفنادق وأبراج تذكّر بدبي، بينما ملايين المصريين يكافحون لتأمين الخبز والدواء، في بلد يقف على حافة الإفلاس، ويصنّفه صندوق النقد الدولي بين أكثر دول العالم مديونية.
السؤال الذي يفرض نفسه:
لمن تُبنى هذه الدولة؟ ولمن تُدار هذه المشاريع؟
لمشاهدة الفيلم الوثائقى أضغط هنا
الوثائقي لا يكتفي بعرض التناقض، بل يغوص في جوهر السلطة.
السيسي — كما يقدّمه الفيلم — لا يحكم عبر المؤسسات، بل عبر صورة «الزعيم المُطلق»، مستدعيًا الرمزية الفرعونية: القائد الذي يرى، يقرّر، ويأمر، ولا يُسأل. المشاريع العملاقة تصبح أدوات شرعنة، لا سياسات تنموية، والإنجاز يُقاس بالحجم والسرعة، لا بالجدوى أو العدالة.
لكن الأخطر هو ما يكشفه العمل عن الجيش:
ليس كحارس للحدود، بل كـ دولة داخل الدولة.
إمبراطورية اقتصادية تسيطر على البناء، الموانئ، قناة السويس، الطرق، والعقود الكبرى. ميزانيات مفتوحة، رقابة غائبة، ومنطق عسكري يُقصي أي نقاش مدني.
شهادات لافتة تعمّق الصورة:
-
فرانسوا هولاند، الرئيس الفرنسي السابق، يقرّ بأن الحكم في مصر عسكري حتى العظم.
-
مهندس فرنسي شارك في حفر أنفاق قناة السويس يختصر الفلسفة الحاكمة:
«الإنهاء بسرعة… مهما كان الثمن». -
معتقلون سابقون يروون عن السجون، حيث يتحوّل القمع إلى أداة حكم، لا إجراء أمني.
-
محللون مثل يزيد صايغ يضعون النظام ضمن معادلة دولية مريحة للغرب: شريك “مستقر” مهما كانت الانتهاكات.
اقتصاديًا، يرسم الوثائقي صورة دولة تعيش على القروض:
صندوق النقد، الاتحاد الأوروبي، ودعم خليجي مستمر، فقط لمنع الانهيار الفوري.
لكن هذا المال لا يصل إلى المواطن، ولا يخفف التضخم، ولا يوقف تدهور مستوى المعيشة. النمو موجود على الورق، والغضب يتراكم في الشوارع.
السؤال الذي يطرحه الفيلم ليس نظريًا بل وجوديًا:
إلى متى يمكن لنظام أن يراكم الديون، ويُراكم القصور، ويُفقِر المجتمع في الوقت ذاته؟
والإجابة التي يلمّح إليها العمل قاتمة:
بلد يقف على حافة انفجار اجتماعي، حيث المسافة بين الحاكم والمحكوم لم تعد سياسية فقط، بل إنسانية.
هذا الوثائقي ليس هجومًا إعلاميًا عابرًا، بل تشريحًا لنموذج حكم:
نموذج يُقدّس البهرجة، يختزل الدولة في الجيش، ويعامل المجتمع كخطر يجب ضبطه لا شريك يجب تمكينه.
إنه إعلان فشلٍ صريح لنموذج التنمية القائم على القمع والخرسانة، على حساب الكرامة والعدالة والإنسان.
باختصار:
هذه ليست قصة رئيس…
بل قصة دولة تُدار كمعسكر، وتُزيَّن كقصر، بينما يختنق شعبها في الظل.

شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار