الإثنين , 18 مايو 2026

السيسي.. رئيس بلا قضية ودولة بلا قرار

كيف تحوّل الغباء السياسي إلى عبء تاريخي على مصر؟

لم يكن عبد الفتاح السيسي يفتقر إلى الفرص. على العكس، نادرًا ما حظي حاكم مصري بكمّ الفرص الإقليمية والدولية التي أُتيحت له: دعم خليجي غير محدود، صمت غربي طويل، فراغ إقليمي كان يسمح لمصر بالعودة لاعبًا مركزيًا. لكن في كل مرة، اختار أسوأ الاحتمالات: لا أن يكون زعيمًا، ولا حتى حاكمًا ذا موقف، بل موظفًا خائفًا يدير دولة بحسابات البقاء لا بحسابات التاريخ. المشكلة هنا ليست “خيانة” بالمعنى الأخلاقي فقط،
بل غباء سياسي واقتصادي في فهم معنى الدولة، ومعنى القيادة، ومعنى القوة.

أولًا: دولة بلا موقف في عالم التحالفات

العالم اليوم ليس مساحة للحياد الرومانسي، بل ساحة محاور وصراعات واضحة.
الدول إما تختار، أو يُختار لها.

السيسي لم يختر الاستقلال، بل اختار الشلل.
لم ينحز لمحور، ولم يبنِ محورًا، ولم يطرح مبادرة.
وقف خائفًا بين الإمارات والسعودية، خصوصًا في ملف اليمن، فخرج من المشهد بلا تأثير.

هذا ليس “توازنًا”…
هذا عجز دولة يحكمها رجل يخشى كلفة القرار.

ثانيًا: شعار وحدة الدول بلا مشروع

يرفع شعار “الحفاظ على وحدة الدول”،
لكن أفعاله تمشي في الاتجاه المعاكس تمامًا.

  • في ليبيا: دعم حفتر، الرجل الذي قسّم البلاد عمليًا وفتح بوابة التفكيك باسم محاربة الإرهاب.

  • في السودان: صمت مريب أمام حميدتي، مشروع الميليشيا والانفصال، وحياد يخدم تفكيك الدولة.

  • وفي الخلفية، صمت كامل أمام محمد بن زايد، أحد أبرز مهندسي مشاريع التفتيت في المنطقة من ليبيا إلى السودان واليمن والقرن الإفريقي.

هنا لا نتحدث عن تناقض سياسي،
بل عن فراغ عقلي: كلام عن الوحدة… وممارسة مع معسكر التقسيم.

ثالثًا: اليمن… الرعب بدل القرار

اليمن ليست بعيدة عن مصر.
أي انفجار فيها يهدد باب المندب، وباب المندب يعني قناة السويس، أي شريان الاقتصاد المصري.

ومع ذلك:

  • لا انضم لتحالف واضح

  • لا طرح مبادرة مستقلة

  • لا استخدم وزن مصر

النتيجة؟
صفر سياسة، صفر تأثير، صفر حماية لمصالح مصر.

رابعًا: ليبيا… النار على الحدود والرئيس أعمى

حدود مفتوحة، سلاح، ميليشيات، تهريب.
كلها تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري.

ومع ذلك:

  • لا رؤية شاملة

  • لا مشروع سياسي

  • لا إدارة حقيقية للملف

دولة على حدودك تحترق،
وأنت تتصرف كأنك مراقب أممي بلا صلاحيات.

خامسًا: السودان… التفريط في العمق الاستراتيجي

السودان ليس جارًا عاديًا،
بل ظهر مصر المائي والأمني.

حين اشتعل، كان يجب أن تكون القاهرة في قلب المشهد.
ما حدث هو العكس:
موقف باهت، مرتبك، بلا إرادة، يخدم عمليًا تفكيك السودان، ومعه تفكيك أمن مصر.

سادسًا: غزة… ضجيج بلا أظافر

غزة اختبار أي حديث عن الدور الإقليمي.
ما رأيناه:

  • بيانات

  • مؤتمرات

  • شجب محفوظ

وعلى الأرض:

  • معبر محكوم

  • ضغط حقيقي غائب

كأن القضية عبء إداري لا شرف قومي ولا أمن مباشر.

سابعًا: سوريا… الغياب المذل

سوريا ساحة توازن إقليمي.
من يغيب عنها، يُقصى من رسم الخريطة.

السيسي:

  • لا رؤية

  • لا مبادرة

  • لا حضور

ترك الآخرين يرسمون المنطقة،
ووقف على الرصيف.

ثامنًا: النيل… لا قضية حتى في مسألة وجود

الدول الكبرى لها قضية مركزية.
مصر قضيتها المياه.

ما الذي حصل؟

  • تفاوض بلا أسنان

  • خطابات بلا قوة

  • ملف يُسحب من تحت اليد المصرية

لا خطوط حمراء،
ولا معركة سياسية،
ولا حتى تعريف واضح لما هو غير قابل للمساومة.

هذا ليس ضعفًا فقط،
بل غباء استراتيجي في فهم معنى البقاء.

تاسعًا: الداخل… فرصة استعادة الدولة ضاعت بإيده

كان يمكنه:

  • استخدام الدعم السعودي لوقف بيع البلد

  • استرداد أراضٍ نُهبت باسم الاستثمار

  • تفكيك شبكة السمسرة (الوراق – ماسبيرو – رأس الحكمة)

  • مصالحة الناس بالفعل لا بالبيانات

لكنه اختار:
تثبيت الكرسي لا استعادة السيادة
السمسرة لا الحكم

عاشرًا: دولة بلا ظهر

الدولة التي:

  • لا تختار حلفًا

  • لا تفرض نفسها

  • لا تمسك خطًا واضحًا

ليست دولة مستقلة،
بل كيان معلّق.

لا أصدقاء حقيقيين
ولا أعداء واضحين
ولا احترام سياسي

الجميع يتعامل معها كـ ملف… لا كشريك.

الحادي عشر: مقارنة فاضحة مع محمد بن سلمان

محمد بن سلمان:

  • يختار

  • يصطدم

  • يتحالف

  • يناور

  • يخطئ… لكنه يتحرك كدولة تريد أن تكبر

السيسي:

  • لا يختار

  • لا يصطدم

  • لا يقود

  • كل تحركاته دفاعية لحماية الكرسي

الفرق ليس في الذكاء ولا الموارد،
بل في الجرأة السياسية.

الخلاصة

السيسي:

  • بلا مشروع

  • بلا قضية

  • بلا موقف

يرفع شعار وحدة الدول،
ويمشي عمليًا مع معسكر التفكيك.

كان يمكنه:

  • أن يستعيد الأرض

  • أن يفرض السيادة

  • أن يصالح الشعب

  • أن يجعل مصر لاعبًا

لكنه اختار الطريق الأرخص:
الأمان للكرسي… ولو على حساب الدولة.

باختصار:
لم يفشل لأنه لا يفهم،
بل لأنه يحكم بعقلية موظف مرعوب لا بعقلية رجل دولة.

تحقق أيضًا

«صيف الاختناق المروري».. فيينا تواجه شللًا واسعًا بعد إغلاق 7 خطوط ترام رئيسية

تعيش العاصمة النمساوية Vienna حالة من الجدل والغضب المتصاعد، بعد إعلان شركة النقل العام Wiener Linien عن إغلاق شامل ومفاجئ لتقاطع سككي رئيسي في منطقة Alsergrund، ابتداءً

error: Content is protected !!