فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في كل مرة تندلع فيها مواجهة جديدة بين قوى المقاومة والاحتلال، يتكرر المشهد ذاته بلا تغيير، حيث تتصاعد أصوات تسخيف المقاومة وتفخيم العدو تحت عناوين براقة مثل الواقعية والعقلانية والمنطق، وكأن هذه الأصوات تتحرك وفق نمط ثابت يعيد إنتاج نفسه دون مراجعة أو مساءلة، ويقوم هذا الخطاب على التركيز الحصري على حجم الدمار والخسائر البشرية التي تصاحب أي فعل مقاوم، مع تجاهل متعمد للسؤال الأكثر أهمية، وهو ما البديل المطروح في حال غياب المقاومة، وما الذي سيحدث للشعوب والأوطان إذا تم التخلي الكامل عن فكرة مقاومة الاحتلال والاستبداد.
هذا الخطاب يصر على تقديم الاستسلام باعتباره خياراً عقلانياً، لكنه في المقابل لا يقدم تصوراً واضحاً لمآلات هذا الطريق، ولا يجيب عن أسئلة جوهرية تتعلق بما إذا كان الاستسلام سيعيد الأرض المسلوبة أو يحفظ الكرامة أو يوقف العدوان أو يمنع التوسع أو يحمي السيادة الوطنية أو يمنح الشعوب استقلالها الحقيقي، وهي أسئلة لا يمكن تجاهلها في أي نقاش جاد حول مستقبل الشعوب التي تواجه الاحتلال أو الهيمنة الخارجية.
إن التجارب التاريخية تشير بوضوح إلى أن المشاريع الاستعمارية لم تتراجع يوماً بفعل الاستسلام، بل توسعت بسببه، وأن الاحتلال لا ينكفئ إلا عندما تصبح كلفة بقائه مرتفعة، وأن الهيمنة لا تتوقف إلا عندما تواجه إرادة مقاومة تفرض معادلات جديدة على الأرض، وهو ما يجعل من اختزال المقاومة في نتائجها العسكرية المباشرة قراءة قاصرة ومتحيزة، تتجاهل أن المقاومة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي موقف سياسي وأخلاقي وحضاري يعبر عن رفض الظلم والتمسك بالحقوق، ويمنع ترسيخ واقع الهيمنة باعتباره أمراً طبيعياً أو نهائياً.
كما أن تسخيف المقاومة وتضخيم قوة العدو لا يندرجان ضمن إطار التحليل الموضوعي بقدر ما يعكسان انحيازاً واضحاً يهدف إلى إضعاف روح الصمود، وتحويل الاستسلام إلى خيار منطقي، والهزيمة إلى نتيجة حتمية، وهو ما يظهر في خطاب يركز على خسائر المقاومة دون التطرق إلى خسائر العدو أو إلى المكاسب الاستراتيجية التي قد تحققها المقاومة على المدى البعيد، سواء من خلال إعادة تشكيل موازين القوى أو كشف طبيعة المشروع العدواني أو إعادة القضايا العادلة إلى صدارة الاهتمام الدولي أو تعزيز وحدة الشعوب حول حقوقها.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي الذي ينبغي طرحه في أي نقاش موضوعي هو ماذا سيحدث إذا اختفت كل أشكال المقاومة من المشهد، وهل سيؤدي ذلك إلى سلام عادل أم إلى ترسيخ واقع الهيمنة، وهل سيؤدي غياب المقاومة إلى استعادة الحقوق أم إلى تثبيت الأمر الواقع، وهل سيقود الاستسلام إلى الاستقرار أم إلى مزيد من التبعية والضعف، وهي تساؤلات تكشف أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على تكلفة المقاومة فقط، بل يجب أن يشمل أيضاً تكلفة غيابها.
إن المعادلة المطروحة ليست بين الحرب والسلام بقدر ما هي بين مقاومة تفتح أفق الاستقلال واستسلام يكرس واقع التبعية، والتاريخ الإنساني يؤكد أن الشعوب التي تخلت عن حقها في المقاومة فقدت قدرتها على الدفاع عن مصالحها، بينما الشعوب التي تمسكت بحقها في المقاومة رغم التضحيات استطاعت أن تحافظ على هويتها وكرامتها وأن تفرض حضورها في معادلات القوة.
ولهذا فإن قضية المقاومة لا يمكن اختزالها في إطار عسكري ضيق، بل هي قضية وعي جماعي ومستقبل شعوب تسعى إلى الحفاظ على استقلالها وحقوقها، وهو ما يجعل النقاش حولها نقاشاً استراتيجياً يتعلق بمستقبل المنطقة ومصير شعوبها، وليس مجرد تقييم لحظة عسكرية عابرة أو قراءة آنية لنتائج مواجهة محدودة.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار