شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
في وقت تعيش فيه مصر واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية، وتُثقل الديون كاهل الدولة والمواطن معًا، فجّر الدكتور المصري المتخصص في هندسة الفضاء والنانو، محمد سيد علي حسن، موجة جدل واسعة بعد رده الحاد على تصريحات وزير النقل المصري Kamel al-Wazir بشأن تكلفة مشروع المونوريل، متهمًا الحكومة بغياب الشفافية وارتكاب أخطاء حسابية “كارثية” في عرض الأرقام أمام الرأي العام.
الرد الذي انتشر بقوة على مواقع التواصل لم يكن مجرد خلاف هندسي عابر، بل تحول إلى مواجهة علنية تكشف حجم القلق الشعبي المتزايد من مشروعات عملاقة تُنفذ بمليارات الدولارات بينما يعاني المواطن المصري من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم الديون.
“2.8 مليون أم 28 مليون؟”
بداية الأزمة جاءت بعد تصريحات الوزير خلال ندوة اقتصادية، تحدث فيها عن أن تكلفة مشروع المونوريل بلغت 2.8 مليار دولار، قبل أن يقوم – بحسب الدكتور محمد سيد – بحساب تكلفة الكيلومتر الواحد بطريقة خاطئة.
ويقول الخبير المصري المقيم في اليابان إن الوزير قسم إجمالي تكلفة المشروع على طول الخط البالغ 100 كيلومتر، ليخرج بنتيجة أن تكلفة الكيلومتر الواحد تبلغ 2.8 مليون دولار فقط، معتبرًا أن المونوريل بذلك “أرخص من المترو والقطار الكهربائي”.
لكن المفاجأة – بحسب الدكتور محمد سيد – أن العملية الحسابية نفسها غير صحيحة من الأساس، لأن قسمة 2.8 مليار دولار على 100 كيلومتر تعني أن تكلفة الكيلومتر الواحد تبلغ 28 مليون دولار، وليس 2.8 مليون.
خطأ وصفه متابعون بأنه “صادم”، خصوصًا عندما يصدر عن مسؤول يدير واحدًا من أكبر ملفات البنية التحتية في البلاد.
أين تذهب المليارات؟
الخبير المصري لم يتوقف عند الخطأ الحسابي فقط، بل فتح ملفًا أكثر حساسية يتعلق بتكاليف التشغيل والصيانة التي ستتحملها الدولة لعقود طويلة.
فبحسب تساؤلاته، لم تُعلن الحكومة بوضوح عن القيمة الحقيقية لعقود التشغيل والصيانة الخاصة بالشركة الفرنسية المشغلة للمونوريل، مشيرًا إلى وجود أرقام متداولة تتراوح بين 500 مليون يورو و1.6 مليار يورو.
وإذا أُضيفت هذه المصروفات إلى التكلفة الأساسية للمشروع، فإن التكلفة النهائية قد تصل – وفق تقديراته – إلى نحو 4.5 مليار دولار.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
هل تعرف الدولة بالفعل التكلفة الحقيقية للمشروع؟
وهل يملك المواطن حق الاطلاع الكامل على تفاصيل هذه العقود التي ستُسدد من أموال دافعي الضرائب؟
مشروع ضخم أم عبء طويل الأمد؟
الدكتور محمد سيد أثار أيضًا مخاوف تقنية تتعلق بتكاليف الصيانة المستقبلية، خاصة في بيئة صحراوية مليئة بالرمال والأتربة مثل القاهرة.
فالمونوريل يعتمد على عجلات مطاطية تحتاج إلى استبدال دوري، إضافة إلى قطع غيار معقدة ومكلفة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على تحمل هذه النفقات لسنوات طويلة.
كما حذر من نقطة يعتبرها كثير من الخبراء شديدة الخطورة:
البنية التحتية الخاصة بالمونوريل لا يمكن تحويلها بسهولة إلى مترو أو قطار كهربائي إذا فشل المشروع مستقبلاً، بسبب اختلاف أنظمة القضبان والعجلات، وهو ما يعني أن أي تعثر مستقبلي قد يحول المشروع إلى “كتلة خرسانية ضخمة بلا جدوى”.
أزمة شفافية أم أزمة إدارة؟
القضية في نظر كثيرين لم تعد مرتبطة فقط بالمونوريل، بل أصبحت تعكس أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة المشروعات القومية في مصر.
ففي السنوات الأخيرة، أطلقت الدولة عشرات المشروعات العملاقة بتكلفة هائلة، بينما تتراجع مستويات الشفافية بشأن العقود والتكاليف والدراسات الاقتصادية الحقيقية.
ويقول منتقدون إن المواطن المصري يُطالب دائمًا بتحمل الأعباء والتقشف، لكنه لا يحصل في المقابل على إجابات واضحة حول كيفية إنفاق مليارات الدولارات، أو جدوى بعض المشروعات مقارنة بالأولويات الملحة مثل الصحة والتعليم والصناعة.
حين يتحول النقد إلى معركة
اللافت في رد الدكتور محمد سيد أنه أكد أنه لم يكن يهاجم المشروع بدافع سياسي، بل كان يطالب فقط بمناقشة علمية وشفافة للتكاليف والجدوى الفنية.
وأشار إلى أنه سبق أن تحدث مرارًا عن أن المترو السطحي والقطار الكهربائي أقل تكلفة وأكثر كفاءة وأسهل صيانة من المونوريل، لكنه لم يذكر أرقامًا نهائية بسبب غياب المعلومات الرسمية الدقيقة.
وهنا تظهر أزمة أخرى تعيشها مصر اليوم:
غياب النقاش الحر حول المشروعات العامة، وتحول أي انتقاد تقني أو اقتصادي إلى معركة سياسية أو اتهام بعدم الوطنية.
المواطن يدفع الثمن دائمًا
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن المواطن المصري هو من سيدفع تكلفة أي خطأ في الحسابات أو سوء في التخطيط، سواء عبر الضرائب أو الديون أو رفع الأسعار.
ولهذا، فإن الجدل الدائر حول مشروع المونوريل لا يتعلق فقط بقطار معلق يسير فوق القاهرة، بل بمستقبل دولة تُنفق المليارات بينما يزداد السؤال إلحاحًا داخل الشارع المصري:
هل تُدار هذه المشروعات بعقلية اقتصادية حقيقية، أم بعقلية الاستعراض السياسي؟
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار