شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
في كل مرة تعلن فيها الحكومة المصرية عن “اكتشاف ضخم” للغاز أو البترول، تنطلق أبواق الإعلام الرسمي واللجان الإلكترونية في حفلة صاخبة من التهليل والتصفيق، وكأن المصريين على موعد مع عصر من الرفاهية الاقتصادية والرخاء المنتظر.
لكن خلف العناوين البراقة والأرقام الضخمة، يختبئ سؤال بسيط ومؤلم:
إذا كانت مصر تكتشف كل هذه الثروات، فلماذا لا يشعر المواطن بأي تحسن حقيقي في حياته اليومية؟
اكتشاف جديد.. وفرحة قديمة تتكرر
خلال الأيام الأخيرة، احتفت وسائل إعلام مصرية بإعلان اكتشاف جديد للغاز في الصحراء الغربية، وجرى الترويج له باعتباره “أكبر اكتشاف خلال 15 عامًا” لشركة “عجيبة” للبترول، باحتياطي يُقدّر بنحو 330 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
رقم يبدو ضخمًا بالفعل، لكن الحقيقة التي يتم تجاهلها عمدًا هي أن الامتياز الفعلي للمنطقة لا تملكه الدولة المصرية بالكامل، بل تسيطر عليه شركات أجنبية، تتصدرها إيني الإيطالية بنسبة 76%، إلى جانب لوك أويل الروسية بنسبة 24%.
أما شركة “عجيبة”، التي يجري تقديمها إعلاميًا كإنجاز وطني، فهي في الواقع شركة تشغيل وإدارة يعمل فيها مهندسون وموظفون مصريون، لكنها تتحرك داخل امتيازات يملك قرارها النهائي المستثمر الأجنبي.
أين تذهب الثروة؟
المعادلة الاقتصادية لقطاع الطاقة في مصر أكثر تعقيدًا مما يروّج له الإعلام الرسمي.
فعندما يتم استخراج الغاز أو البترول من أي حقل جديد، لا تذهب الإيرادات مباشرة إلى خزينة الدولة أو جيب المواطن، بل تبدأ أولًا عملية استرداد التكاليف للشركات الأجنبية التي موّلت عمليات البحث والتنقيب والإنتاج.
وبحسب طبيعة عقود الامتياز، تحصل الشركات الأجنبية أولًا على نسبة معتبرة من الإنتاج تحت بند “استرداد التكاليف”، ثم تحصل على حصة إضافية باعتبارها “نصيب الشريك الأجنبي من الأرباح”.
وبلغة الأرقام، فإن جزءًا كبيرًا من الثروة المكتشفة يغادر البلاد فعليًا قبل أن يستفيد منها المواطن بأي شكل مباشر.
الديون تلتهم الباقي
لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود الشراكة الأجنبية فقط.
فالاقتصاد المصري يعيش منذ سنوات تحت ضغط ديون خارجية هائلة، جعلت جزءًا كبيرًا من موارد الدولة يذهب لخدمة الدين وسداد الفوائد والأقساط المستحقة.
ومع تزايد الاعتماد على الاقتراض الخارجي، أصبحت اكتشافات الغاز بالنسبة لكثير من الخبراء مجرد وسيلة لتأجيل الانهيار المالي أو توفير سيولة مؤقتة لسداد الالتزامات الدولية، وليس مشروعًا حقيقيًا لتحقيق تنمية اقتصادية يشعر بها المواطن.
النتيجة أن المواطن يسمع عن “مليارات الأقدام المكعبة” من الغاز، بينما يواجه في حياته اليومية ارتفاعًا متواصلًا في الأسعار وفواتير الطاقة والضرائب وتكاليف المعيشة.
إعلام الاحتفال.. وإخفاء الحقيقة
اللافت أن الخطاب الإعلامي الرسمي يركّز دائمًا على حجم الاكتشافات، لكنه نادرًا ما يشرح للمواطنين طبيعة عقود الامتياز، أو نسب الشراكة الأجنبية، أو حجم الديون المرتبطة بقطاع الطاقة.
ويعتبر اقتصاديون أن المشكلة ليست في وجود استثمارات أجنبية بحد ذاتها، بل في غياب الشفافية الكاملة حول كيفية إدارة الثروة الطبيعية، وكيفية توزيع عوائدها، ولماذا لا تنعكس هذه الثروات على مستوى معيشة المواطنين.
هل أصبحت الثروات مجرد ضمانة للدائنين؟
في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، يخشى مراقبون من أن تتحول موارد الغاز والطاقة المصرية إلى مجرد “ضمانات مالية” للدائنين والمؤسسات الدولية، بدلًا من أن تكون رافعة حقيقية للتنمية الوطنية.
فالغاز الذي يُكتشف اليوم لا يبدو أنه يغيّر حياة المواطن البسيط، بقدر ما يساهم في إبقاء عجلة الديون دائرة، وتأجيل الانفجار الاقتصادي لبعض الوقت.
ويبقى السؤال الذي يتردد داخل الشارع المصري:
إذا كانت البلاد تسبح فوق بحر من الغاز والثروات… فلماذا يزداد الفقر والضغط المعيشي كل يوم؟
وهل أصبحت الاكتشافات الجديدة بشرى للمواطن… أم مجرد خبر جيد للبنوك والدائنين والشركات الأجنبية؟
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار