الجمعة , 8 مايو 2026

من جحيم العنف إلى قسوة الغلاء.. حكاية أم سورية تكافح للبقاء في فيينا

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

في زاوية هادئة من العاصمة النمساوية فيينا، تعيش قصة تختصر معاناة آلاف النساء اللاجئات، لكنها في الوقت ذاته تكشف وجهًا أقل ظهورًا للحياة في أوروبا: النجاة من العنف لا تعني نهاية الألم، بل بداية معركة جديدة مع الفقر والغلاء والوحدة.

رحلة الهروب من العنف
قبل أربع سنوات، وصلت أميرة ك.، وهي أم سورية لخمسة أطفال، إلى النمسا وهي في حالة إنسانية صعبة للغاية، بعد أن أنهت علاقة زوجية وصفتها بـ”العنيفة”. لم تحمل معها سوى الخوف والإنهاك، إذ تقول إنها وصلت إلى مركز الدعم “من دون ملابس ومن دون طعام”، في بلد لا تعرف فيه أحدًا، بينما بقيت عائلتها في سوريا.

اضطرت أميرة لاحقًا إلى خوض معركة قانونية للحصول على نفقة لأطفالها، في وقت كانت تحاول فيه فقط استعادة الحد الأدنى من الاستقرار النفسي والمعيشي.

سنوات داخل مراكز الإيواء
وجدت أميرة ملاذًا في أحد مراكز الأمهات والأطفال التابعة لمنظمة Caritas، حيث عاشت ثلاث سنوات مع ثلاثة من أطفالها في ظروف متواضعة للغاية. بدأت في غرفة ضيقة بالكاد تتسع لهم، قبل أن تتحسن ظروفها تدريجيًا داخل المركز.

هذه المراكز لا توفر فقط سقفًا فوق رؤوس المحتاجين، بل تقدم أيضًا دعمًا نفسيًا واجتماعيًا وقانونيًا، وهو ما ساعد أميرة على إعادة بناء حياتها خطوة بخطوة.

من السكن المؤقت إلى الاستقلال الهش
بفضل دعم المنظمة، تمكنت لاحقًا من الانتقال إلى شقة صغيرة ضمن مشروع سكن تعاوني، وهو إنجاز لم يكن ممكنًا دون هذا الدعم. لكن هذا “الاستقرار” سرعان ما كشف عن وجهه الهش.

تقول أميرة إن أكثر من 700 يورو من دخلها الشهري يذهب فقط لتكاليف السكن، في ظل ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة في النمسا، إلى جانب مصاريف المدارس والنقل.

الغلاء.. معركة يومية لا تنتهي
الحياة اليومية، بحسب وصفها، “صعبة جدًا”. المال بالكاد يكفي لتغطية الأساسيات، أما الكماليات فقد أصبحت رفاهية بعيدة المنال. حتى الرحلات المدرسية تحولت إلى عبء مالي، بينما تجد نفسها عاجزة أحيانًا عن تلبية طلبات بسيطة لأطفالها مثل الملابس أو مستحضرات التجميل.

وتضيف أنها منذ سنوات لم تشترِ ملابس لنفسها، وتعتمد على التبرعات لتأمين احتياجاتها الشخصية، مفضلة توجيه أي دخل إضافي لأطفالها.

العمل.. حلم يصطدم بالواقع
رغم رغبتها القوية في العمل، تواجه أميرة تحديات كبيرة، أبرزها ضعف اللغة الألمانية وارتداء الحجاب، وهو ما يقلل من فرصها في سوق العمل. ومع ذلك، تواصل حضور دورات اللغة يوميًا وتبحث باستمرار عن فرصة.

وتقول إن حلمها المستقبلي هو العمل في مجال دعم النساء المعنفات، مستندة إلى تجربتها الشخصية، وقد بدأت بالفعل بمساعدة نساء أخريات عبر مجموعات على منصة Facebook.

أزمة متصاعدة.. تحذيرات من الداخل
من جانبها، تشير ليديا روسلر، مديرة أحد دور الأمهات التابعة لـ Caritas، إلى أن الطلب على المساعدة في تزايد مستمر، نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن ورعاية الأطفال.

وتوضح أن العديد من النساء اللواتي غادرن مراكز الدعم سابقًا اضطررن للعودة مجددًا بعد تدهور أوضاعهن المالية، في مؤشر واضح على عمق الأزمة الاجتماعية.

وخلال عام 2025، استقبلت مراكز الأمهات والأطفال في فيينا 66 أمًا و107 أطفال، في أرقام تعكس تصاعد الحاجة إلى الدعم، خاصة بين الأمهات العازبات والناجيات من العنف.

بين النجاة والاستقرار.. فجوة صامتة
تكشف قصة أميرة عن فجوة كبيرة بين “النجاة” و”الاستقرار”. فالهروب من العنف لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة، بل قد يفتح الباب أمام تحديات جديدة أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل غلاء المعيشة وصعوبة الاندماج في سوق العمل.

ويؤكد خبراء في الشؤون الاجتماعية أن دعم اللاجئات لا يجب أن يقتصر على الإيواء المؤقت، بل يجب أن يمتد إلى تمكين اقتصادي حقيقي، يشمل التدريب وفرص العمل ومكافحة التمييز، لضمان حياة كريمة ومستقرة.

🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

حرب التاكسي في فيينا.. نقابة السائقين تطالب بضبط السوق ووقف “الفوضى” قبل الانهيار

تشهد أوساط قطاع النقل في فيينا تصاعدًا ملحوظًا في التوتر، بعد تحذيرات قوية أطلقتها نقابة التاكسي، كشفت عن أزمة متنامية تهدد استقرار المهنة، في ظل ما وصفته

error: Content is protected !!