شهادات من قلب الحدث.. قصة المنسيين من أسرى السودان لدى الحوثيين

أعلنت السودان، قبل أربعة أعوام، وتحديدًا منذ مارس (آذار) 2015، المشاركة في التحالف العربي بقيادة السعودية في القتال ضد الحوثيين، عبر الدفع بنحو 40 ألف مقاتل من جنود الجيش السوداني، مقابل منح مالية خليجية داعمة للاقتصاد السوداني قُدرت بملايين الدولارات وأجور مالية جيدة للجنود المختارين للقتال.

وبعد انقضاء خمس سنوات على حرب لم تنته، انسحب منها أعداد كبيرة من القوات العسكرية للتحالف من بينهم قوات سودانية وإمارتية، بالإضافة لاتجاه الرياض مؤخرًا نحو التفاوض السياسي مع الحوثيين، تُثار أسئلة حول مستقبل هؤلاء السودانيين الباقين على الأراضي اليمنية، خصوصًا بعد ثورة أطاحت نظام حُكم كان هو الجهة التي وافقت على إرسالهم.

لا تخص التساؤلات فقط مستقبل هؤلاء الجنود الباقين على الأراضي السودانية، بل أيضًا حول مئات الأسرى السودانيين منهم لدى الحوثيين، ممن تم أسرهم في وقائع مختلف على مدار السنوات الأخيرة، وعما إذا كان هناك تفاوض بشأنهم أم لا.

بين البشير والبرهان.. ما الذي تغير في إدارة ملف جنود السودان في اليمن؟

مر على بقاء الجنود السودانيين في اليمن نحو خمسة أعوام، شهدت السودان فيها أحداثًا كثيرة أبرزها الإطاحة بنظام الرئيس السابق عُمر البشير، ومجيء شخوص جديدة على رأس السلطة، أبرزهم عبدالله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني، وجنرالات الجيش الذين لا يزالون محتفظين بنفوذهم كاملاً في المؤسسة العسكرية وبعض القطاعات المدنية مناصفة مع حمدوك.

وبعد التغير الذي أطاح رأس السلطة البائدة، عادت قضية الجنود السودانيين الذين يُقدر عددهم بنحو 30 ألف إلى الواجهة من جديد، في ظل مطالبة المحتجين في ميادين الثورة بسحب القوات التي تقاتل في اليمن، غير أن سياسات النظام الجديد في التعامل مع هذه القضية لم تختلف كثيرًا عما كان يفعله البشير، إذ اتبع قادة الحكم الجدد سياسة قائمة على المراوحة، وإطلاق تصريحات متناقضة ووعود غير حاسمة، لم تتجاوز الخط الأحمر في نقد دول الخليج.

كانت آلية السلطة الجديدة في التعامل مع هذا الملف هو إطلاق تصريحات متضاربة، قبل أن يخرج تصريح رسمي من قائد قوات الدعم السريع وعضو مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) بإعلانه بدء العد التنازلي للخروج من اليمن تدريجيًا، مبينًا أن 10 آلاف جندي عادوا إلى بلادهم، ولن يُستبدَل بهم آخرون.

واستبق هذا التصريح خروج تسريب صوتي له أمام مجموعة من جنوده بمركز تدريب لقوات الدعم السريع، يتعهد حميدتي خلاله بسحب كافة القوات السودانية من اليمن، والتعهد بمزيد من المتابعة لأحوالهم، في ضوء هروب أعداد كبيرة منهم، وتذمرهم من مرتباتهم الضئيلة.

كان آخر المواقف الرسمية لقادة الحكم تجاه هذه القضية، قبل أيام معدودة، حين ظهر عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي الانتقالي بالسودان، في حوار تلفزيوني مع قناة الجزيرة، أكد خلاله أن «القوات السودانية باقية في اليمن حتى يتحقق الهدف الذي شاركت من أجله لإعادة الشرعية، التي تحولت إلى إعادة الأمل».

وقد اتفقت التصريحات الرسمية السودانية كافة على أن قرار سحب كافة القوات بشكل كامل لن يتم، بل ورهن أي قرار مستقبلي، بسياسات السعودية والإمارات، وكانت الدولتان قد أعلنتا عن تقديم دعم مادي للسودان بقيمة 3 مليارات دولار، وإيداع نصف مليار دولار في البنك المركزي السوداني «لدعم موقف السودان المالي وتخفيف الضغوط على العملة المحلية، وتحقيق الاستقرار في سعر الصرف».

من جانبه، يقول الصحفي السوداني ياسر عوض، وهو مختص بمُتابعة الشؤون العسكرية بصحيفة الانتباه الصادرة في الخرطوم، أن الملف ملتبس تمامًا سواء عند نقاشه مجتمعيًا أو على المستوى السياسي؛ فالإنسان السوداني لا يعرف هل استراتيجية الحكومة هي الانسحاب أم البقاء والاستمرار في القتال؟ فضلاً عن أن عوامل عديدة تتقاطع عند نقاش هذه القضية.

ويضيف عوض في تصريح خاص لـ«ساسة بوست» أن قصة القتال في اليمن والنقاش فيها أمر «مُعقد جدًا»؛ ففي حين يطالب النخب والمزاج العام بالانسحاب لاعتبارات حماية أمن البلاد وكرامة الجيش، هناك واقع مأزوم وأزمة اقتصادية شديدة تعيشها البلاد، والمعلومة الأهم في ذلك أن إيرادات الدعم السريع وارتباطات النظام الجديد مرتبطة بالحرب في اليمن.

ويتابع أن الأكثر غرابة في هذه القضية هو مزاج السودانيين الذين يسكنون أطراف البلاد أو حتى بين فقراء المدن؛ فهؤلاء يبحثون عن فرص للقتال في اليمن لمضاعفة دخولهم المادية في ظل الاقتصاد المتردي في الريف وهامش المدن، متسائلاً: «السؤال الذي يجب أن يفرض نفسه وسط الداعين للانسحاب هو ما تأثير عودة 30 ألف مقاتل من اليمن على ميزان القوى وميزان المدفوعات نفسه، بل ما هو البديل لهم إذا أريد تسريحهم مع التسليم بأن الحرب في اليمن يجب أن تنتهي بحل سياسي لكن كيف ذلك لا أعلم؟».

ويتفق مع عوض، يوسف التيجاني، الصحافي بصحيفة التغيير السودانية، قائلاً إن مسألة انسحاب القوات السودانية سيكون مرهونًا بالخطوات التي تمت في مسار الحل السياسي في اليمن، بعد انطلاق مفاوضات سرية بين السعودية والحوثيين بوساطة عُمانية، في الشهور الأخيرة.

وأضاف التيجاني في تصريح خاص لـ«ساسة بوست» أن النظام الجديد بحاجة إلى الدعم الخليجي، لذلك يتعامل بـ«فن الممكن»  في ضوء احتياجه الشديد للمنح الخليجية، متوقعًا حدوث بعض التغييرات الشكلية في طريقة تعامل السلطات الحالية مع هذا الملف، عقب تعيين المجلس التشريعي عبر إصداره قرارًا بعودة الجنود إلى السودان، دون أن تنعكس هذه التغييرات الشكلية على أرض الواقع؛ في ظل الدعم المالي الذي تلقاه النظام الجديد من دول الخليج، ورغبة الجنود نفسهم في البقاء هناك، لأنهم يتلقون ستة أو سبعة أضعاف ما يتلقونه في السودان.

أخيرًا، يؤكد التيجاني، أن قرار العودة سيكون مرهونًا في المقام الأول برغبة سعودية حال وصول الرياض لاتفاق مع الحوثيين. لكنه يستدرك: «حال إتمام الاتفاق، سيعود بعض الآلاف، وسيبقى آلاف آخرون لدعم القوات السعودية على الحدود المشتركة بين البلدين».

قصص الأسرى السودانيين لدى الحوثيين

على مدار السنوات الخمسة الماضية، التي قاتل فيها آلاف السودانيين، على الخطوط الأمامية في حرب اليمن، تعرض آلاف منهم لويلات الحروب، وسط ظروف جغرافية ضاعفت من صعوبات القتال، لتنتهي هذه الحرب إلى سقوط  أعداد كبيرة منهم قتلى، وآخرين أسرى محتجزين عند الحوثيين.

نجح «ساسة بوست» عبر وسيط  سوداني محلي على اتصال وثيق بحكام الولايات، في التواصل مع أحد جنود السودان العائدين لبلدهم، بعد ثلاثة أعوام من القتال في التحالف المدعوم سعوديًا وإماراتيًا، إذ روى في اتصال هاتفي عبر أحد التطبيقات الإلكترونية الحديثة، أحوال آلاف السودانيين الباقين هناك، والآخرين الذين وقعوا تحت الأسر.

كان الشرط الأساسي لموافقة الجندي على الحديث هو عدم الكشف عن هويته، خوفًا من بطش قادته في قوات الدعم السريع. ويقول :«في تنبيهات مستمرة سواء من قادة الجنوجيد أو من بتوع السعودية والإمارات بعدم الحديث إطلاقًا لوسائل الإعلام؛ وإلا هيكون أثر ذلك عقاب وفصل من الخدمة والترحيل من اليمن خصوصًا في ظل تمسك آلاف الجنود بالبقاء هناك للفارق المالي الكبير».

على مدار ثلاث سنوات من القتال في اليمن، واجه الجندي السوداني مواقف شديدة الصعوبة، تكاد تُنهي حياته، خصوصًا أنه كان مع الجنود السودانيين في الخطوط الأمامية للقتال خلافًا للسعوديين الذين كانوا متمركزين في المناطق الحدودية، أو تكون مهامهم رقابية.

كان الموقف الذي لا تزال وقائعه ماثلة أمام عينيه، هو واقعة استدراجه هو وعشرات من زملائه السودانيين، في شهر أغسطس (آب) العام الماضي، والسماح لهم بالتقدم إلى أماكن كان يتحصن فيها الحوثيون بعناية، ويستعيد الجندي السوداني (24 عامًا) بعضًا من وقائع هذا اليوم الذي أسر فيه الحوثيون أكبر عدد من الجنود السودانين، قائلًا:«بعد تقدمنا إلى مناطق تمركز الحوثيين عند كمين نصبه الحوثيون بالقرب من مدينة ميدي اليمنية، واجهونا بأسلحتهم ليتم مقتل عشرات من زملائه، ووقع المئات من الأسرى السودانيين، بينما حال القدر دون استهدافه بعدما تم استبعاده من هذه المهمة في الساعات الأخيرة».

تنوعت بعد ذلك وقائع استهداف الجنود السودانيين بمناطق مختلفة، وتحديدًا في مناطق الخوبة، صامطة، وسقام، بحسب الجندي، وقد أقر الحوثيون بأسر عدد من القوات السودانية، دون ذكر عدد محدد لهم، إذ أعلن المتحدث الرسمي لهم في بيان متلفز أن «قوات الحوثيين احتجزت عددًا من الأسرى من صفوف القوات السودانية، وقال في هذا السياق إنه تم التعامل معهم جميعا «بكل إنسانية وفق الدين والأخلاق».

لم تختلف رواية هذا الجندي في طبيعة الاستعدادات قبل الذهاب عن الشهادات السابقة التي نشرتها صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، عن توفير السعوديين الملابس والأسلحة، التي يعتقدون أنَّها أمريكية الصنع، وتدربيهم من أسبوعين لأربعة أسابيع بالأساس على كيفية فك وتركيب وتنظيف الأسلحة، ويلي هذه المرحلة تقسيمهم إلى وحداتٍ تتكون من 500 إلى 750 جنديًا، لينتقلوا بعد ذلك برًا إلى اليمن للمشاركة في المعارك في صحراء ميدي، أو معسكر خالد بن الوليد في تعز، أو بالقرب من عدن وميناء الحديدة.

ونقل التقرير، عن عشرات الجنود الذين التقاهم مُحرر الصحيفة الأمريكية، أن تقريبًا كل هؤلاء المجندين السودانيين أتوا من إقليم دارفور الذي أفقرته الحرب الأهلية وأنهكته، وأن بعض عائلات هؤلاء المجندين يقدمون الرشاوى لقادة الميليشيات لتجنيد أبنائهم، الذين يبلغ معظمهم ما بين 14 إلى 17 عامًا.

غير أن شهادة الجندي السابق قدمت جديدًا في وقائع الاحتجاز بحق آلاف الجنود السودانيين، وأحوالهم، والكيفية التي جرت بها عملية الاحتجاز، متحدثًا بصوت خفيض: «هناك كما أوضحت أعداد كبيرة من الأسرى؛ بعضهم يتم الإفراج عنهم في ضوء وساطات لا نعلم عنها شيئًا، والبعض الآخر لا يزال باقيًا».

وكشف عن وجود أعداد كبيرة من الأفارقة معظمهم من الإثيوبيين والصوماليين إلى جانب الجنود السودانيين المحتجزين عند الحوثيين: «تم تجنيدهم أيضًا للقتال لصالح التحالف، وجرى أسرهم كذلك»، «هل لا يزال هناك أسرى سودانيين عند الحوثيين؟» يجيب قائلاً: «حسب علمي وما هو متوافر من معلومات أن هناك مئات لا تزال تحت الأسر لدى الحوثيين، ويلقى هؤلاء الأسرى السودانيون معاملة طيبة حسب إفادات من أسرهم».

عند سؤاله على الكيفية التي يتلقي بها الجنود الانتقادات الأخلاقية لدورهم، تحدث شارحًا صورة كاملة للجنود: «هُم غير مبالين بالمخاطر أو الأخلاق فيما يتعلق بقتل أناس بسطاء في بلدهم؛ هُم مهتمون بالعائد المادي ويشجعون الآخرين لخوض التجربة»، ويتقاضى الجنود السودانيون في اليمن بين 500 إلى 700 دولار أمريكي. بينما يبلغ أجرهم في السودان حوالي 25 دولار شهريًا، وفقًا له.

وأعلن الحوثيون كذلك في بيان رسمي صادر عنها في العام الجاري، أن عدد القتلى من الجيش السوداني منذ انخراطه في حرب اليمن، تجاوز 4 آلاف، كاشفة عن مواقع مرابطة قواته في البلاد.

شاهد أيضاً

في ذكرى رحيله بعد 13 سنة من وفاته.. ماذا وجدوا في قبر الشيخ «كشك»؟

أحبه الكثيرون، واختلف حوله آرائه الكثيرون، لكن يبقى في النهاية الشيخ الراحل عبدالحميد كشك، واحدًا …