الباطلُ يكيدُ لمن يجهر بالحق

إن الحق صعبٌ جدًّا على النفس البشرية بشكل عام، وثقيلٌ عليها، ويكلفها دفع أثمان باهظة، وضرائب كثيرة من جهدٍ، وتعب، ومال، وصحة، وأذى من عامة الناس – إلا قليلًا منهم – وسجن، واعتقال، وتعذيب في أقبية سجون الحكام، والطواغيت، والجبابرة، والمستبدين. ثم قتل، وإعدام تحت التعذيب.

إن الحقَّ مكروهٌ، ومبغوضٌ من معظم الناس، وبالخصوص ممن يسلكون طريق الباطل، وطريق الشهوات، والملذات الدنيوية الدنية، ومن الأشرار، وممن يحبون طريق الغواية، والضلال، والفساد، وجمع الأموال بالحرام، وبالطرق الملتوية، والوسائل الخسيسة الدنيئة.

لذلك لا يُقبل على التمسك بالحق، إلا النُخبُ العاليةُ، السامقةُ، الرفيعةُ من المؤمنين الصادقين، الذين وهبوا أنفسهم، وباعوها لله تعالى لقاء دخولهم الجنة، كما قال الله عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ التوبة 111.

صفات من يصدع بالحق

أما الصدعُ بالحقِ جهارًا نهارًا وفي كل مكان، دون خوف لومة لائم، ودون تلجلجٍ، ولا ترددٍ، ولا تلكؤٍ. فتلك منزلةٌ أعلى، وأسمى، وأرفع.

لا يُقبلُ عليها إلا الخُلَّصُ، والصفوةُ من المؤمنين، وأولو العزم، والبأس الشديد، وذوو الإباء، والشمم، والشموخ، والكبرياء، والاستعلاء على مغريات الدنيا وزينتها، وعلى جبابرتها، وطواغيتها، ودون خوف، ولا وجل، ودون اعتبار، ولا اهتمام للنتائج، والعواقب التي سيؤولون إليها؛ لأن همهم الوحيد والأوحد، هو: رضاء الله رب العالمين، وكفى به رضا.

إن الذي يصدعُ بالحقِ يعلم مسبقًا، أن أعوانَ الباطلِ، وشياطينَ الإنس والجن، وحتى أقرب المقربين إليه، وأقرب الأصدقاء الذين كانوا فيما سبق يتظاهرون له بالحب، والود، والأخوة، والصداقة، سيجتمعون عليه، ويسومونه الخسفَ، والذلَ، والهوانَ، وسيتهمونه بشتى التهم مثل: التكبر، والاستعلاء عليهم، وسبهم، وشتمهم، وتسفيه أحلامهم.

هكذا – والله يقولون بدون حياءٍ، ولا خجلٍ، ولا خوف من الله المنتقم الجبار – لا لشيء! إلا لأنه أعلن بكل إباءٍ، وشممٍ، وشموخٍ، وترفعٍ عن الاهتمامات الصغيرة، الهزيلة، الدنية، الفرعية، الجزئية.

وجهرَ بكل قوةٍ، واستعلاءٍ على الباطل، وقال لهم بكل ثقةٍ، ويقين راسخ، ثابت كالجبال الراسيات أنتم خطاؤون، وخاطئون، وتسيرون في طريق ضالٍ، وغويٍ غير راشد، ومعاكس لمنهج الله، الذي يريد أولًا أن يبني العصبة المؤمنة، على الدينونة، والخضوع الكامل، والولاء لله في كل مناشط الحياة، والقضاء على الجاهلية الحديثة، التي ضربت أطنابها في كل نواحي الأرض، من مشرقها إلى مغربها، ومن شمالها إلى جنوبها.

ومما يؤيدُ كلامنا هو: إعلانُ سيد قطب رحمه الله قبل ستين سنة أو يزيد، حقيقة الجاهلية الجديدة، والتي قد استشرت الآن، وتوحشت، وتغولت في إضلال الناس، ومطاردة الحق، أكثر بكثير مما كان في أيامه:

«إن المجتمعات البشرية اليوم – بجملتها – مجتمعات جاهلية، وهي من ثم مجتمعات «متخلفة» أو «رجعية» ! بمعنى أنها «رجعت» إلى الجاهلية، بعد أن أخذ الإسلام بيدها فاستنقذها منها. والإسلام اليوم مدعو لاستنقاذها من التخلف والرجعية الجاهلية، وقيادتها في طريق التقدم و«الحضارة» بقيمها وموازينها الربانية». الظلال الأعراف ص 16.

المضمونُ هو الثقيل وليس الكلمات

إنَّ من يصدع بالحق، مهما استخدم من كلماتٍ رقيقةٍ، ولطيفةٍ، ومهذبةٍ، وناعمةٍ، فإن الباطلَ سيعتبرها سبًّا، وشتمًا، وقذعًا، وقدحًا. لأن مضمون الحق بطبيعته ثقيلٌ، ويشق على النفس البشرية الضعيفة، الخاوية، الهزيلة، ذات الاهتمامات السطحية الصغيرة أن تتقبله. فتكشرُ، وتنفر، وتنرفز، وتغضب، وتهتاج، وتنتفخ أوداجها! فلا تجد حيلة لتخفيف غلوائها، ونيرانها المشتعلة في جوانحها، إلا أن تتهمَ الحق، بأنه متكبرٌ، ومستعلي على الناس، ويسبهم، ويشتمهم، ويحط من شأنهم؛ لأن الباطلَ المطموس على قلبه، والمختوم على عينيه بغشاوة، والكاره للحق يصعب عليه التفريق بين التكبر، والاستعلاء وبسبب غبائه، وبلادته، وبلاهته يظنهما سيان. والحقيقةُ العلميةُ، والمنطقية، واللغوية، أن الفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض، وبين الثرى والثريا، وبين التبر والتراب.

التفريقُ بين التكبرِ والاستعلاءِ

فالتكبرُ هو غمطُ الحق، وصنو التجبر، وهذه من الصفات المرذولة عند إبليس اللعين، حينما تكبر أن يسجد لآدم، وتكبر أن يطيع الله، متعللًا، ومتذرعًا بكل وقاحةٍ، وتبجحٍ، وبلاهة بأنه أفضل من آدم، وهذا من صفات الباطل المنتفش، المتبختر، المغرور بما عنده من العلم القليل، الهزيل، أما الاستعلاءُ! فهو العلو عن الدنايا، وعن الصغائر، والتسامي عن سفاسف الأمور، والترفع عن اهتمامات الأطفال، وتصورات الأطفال، وتخاصم الأطفال، ولثغة الأطفال. والاستعلاءُ من الصفات الممدوحة، ومن الخصال الرفيعة، والسجايا العظيمة التي وصف الله تعالى بها المؤمنين حيث يقول: ﴿ولا تَهِنوا ولا تَحْزَنوا وأنْتُمُ الأعْلَونَ إنْ كُنْتُم مؤْمِنينَ﴾ آل عمران 139.

وفي هذا الشأن، يعلن سيد قطب، رحمه الله، ببيان ناصع، وتصوير رائع، وأخاذ للحياة الجميلة التي عاشها في ظلال القرآن فيقول:

«وعشت – في ظلال القرآن – أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة. أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال. كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال، وأعجب ما بال هذه الناس؟! ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟». مقدمة الظلال.

وهكذا حالُ من يصدع بالحق وصفاته، لا يبالي بصراخ الباط، وعويله، ولا يعبأ بحنقه، وبغضه له، ولا يهتم لخصامه، ومحاربته له.

لن يرضى الباطل عن الحق حتى ولو سكت لأنه يعلمُ علمَ اليقين، أن الباطلَ لن يرضى عن الحق بتاتًا، ولن يكفَّ عن حربه، ومعاداته حتى ولو سكت الحق عن مهاجمة الباطل، وعن انتقاده. وفي هذا الخصوص يوضح سيد قطب، رحمه الله، بجلاء لا يشوبه أي غموض، ولا أي التباس، فيقول:

«وأخيرًا فإن طاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق. وحتى حين يريد الحق أن يعيش في عزلة عن الباطل – تاركًا مصيرهما لفتح الله وقضائه – فإن الباطل لا يقبل منه هذا الموقف، بل يتابع الحق وينازله ويطارده…» الأعراف ص 76.

وكلما صدع الحقُ وأصر على موقفه، وصمم على الثبات في رؤيته الواضحة، الجلية، وواصل السير في طريقه اللاحب المضيء بالأنوار الربانية، وكلما حاول أن يستنقذ المخدوعين بانتفاش الباطل، وغطرسته، وتكبره، وكثرة أوليائه، وأعوانه، وعدته، وعتاده، وثرواته، ونمائه، وجد منهم الأذى، والهوان، ولاقى منهم النفور، والابتعاد، ولامس منهم الحنق، والكراهية، والبغضاء. وما نقموا منه إلا لأنه على الحق المبين. ولذلك كان أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه، يتأوه ويقول: «إيه يا حق لم تبق لي صاحبًا».

فإذا كان هذا الرجلُ العظيمُ، والصحابي الثاني بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يشكو من تفرق الأصحاب عنه، وهو لا يزال في عهد الجيل الفريد من الصفوة المختارة من البشر، فلا عجبَ أن يحصل مع أصحاب الحق، أشد من ذلك وهم يعيشون في جاهلية أشد عنفًا، وأغلظ، وأقسى معاملة، وسلوكًا من الجاهلية الأولى.

الباطلُ زاهقٌ لا محالة

إلا أن هذا الباطلَ مهما انتفش، وانتفخ، وتعاظم فهو لا يعدو أن يكون مثل الفقاعة تنفثئ، وتنكمش، وتتلاشى كما يعبر سيد قطب بلغته الجزلة، الجميلة، البديعة فيقول:

«إنه الباطل ينتفش، ويسحر العيون، ويسترهب القلوب  ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب، وأنه جارف، وأنه مُحيق! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى ينفثئ كالفقاعة، وينكمش كالقنفذ، وينطفئ كشعلة الهشيم!» الأعراف ص 123.

ومما يزيد الصادع بالحق ثباتًا، ورسوخًا، ويقينًا، بأنه المنتصر، والغالب على الباطل، قول صاحب الحق الجليل الكبير، الذي تترنم بكلماته الأكوان، وتشدو به البلابل والأطيار، وتصدح به السماوات والأرض، ويتغنى به كل شيء من مخلوقات الله ﴿وقُلْ جَاءَ الحَقُ وزَهَقَ البَاطلُ، إنَّ البَاطلَ كانَ زَهُوقاً﴾ الإسراء 81.

فلا يأسى الصادع بالحق، لانتفاش الباطل، وتظاهره بالزينة البراقة، التي تخلب الأبصارَ، وقوته التي تتطامن له نفوس العبيد، وتخضع، وتستكين، ولا يحزن لكثرة أعوانه، وجنوده، وأتباعه، وقلة جنود الحق. وليستمر في جهره بالحق، ومصارعته الباطل بكل ثبات، ويقين، فلا تضطرب يده، ولا يزوغ بصره، ولا يختل ميزانه، ولا يشك في طريقه، بأنه على الحق المبين. ولا ينبغي للصادع بالحق أن يتلجلج، أو يتلعثم، أو يجامل، أو يداهن أهل الباطل، وليلقي كلمته بكل وضوح، وبحسم، وجزم، بأنهم في ضلال مبين، وفي طريق خاطئ، وأنهم يسيرون على شفا جرف هارٍ، سينهار بهم عاجلًا أو آجلًا، ويرميهم في الوادي السحيق.

ولتكن أسوتُه، وقدوتُه، أبا الأنبياء إبراهيمَ عليه السلام، حينما خاطب أباه وقومه، بكل قوة، ووضوح كامل بأنهم يسلكون طريقاً ضالًّا، غاويًا، مهلكًا ﴿وإذ قالَ إبْراهيمُ لأبيهِ آزَرَ أتتَّخِذُ أصْنَاماً آلهةً، إني أراكَ وقَوْمَكَ في ضلالٍ مُبينٍ﴾ الأنعام 74.

وهكذا طريقُ الدعوة إلى الله فيه مشقةٌ، وصعوبةٌ، وفيه بلاءٌ واختبارٌ، وفيه جروحٌ، ونزف دماء، وفيه قتلٌ، واستشهاد، غير أن العاقبةَ، جنانٌ وارفة الظلال، تجري من تحتها الأنهار، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فلا يخشى الصادع بالحق، أن يُتهم بالغلظة، والشدة في القول، وأنه يسبُ الناس، ويشتمهمُ، ويتكبرُ عليهم، فهم لن يرضوا عنه، حتى يسير في طريقهم، ويتخلى عن الحق

الدكتور موفق السباعى – ساسة بوست

شاهد أيضاً

اليوم بدء محاكمة متهم بالضلوع فى هجوم إرهابى بفيينا

بدأت اليوم محاكمة الصديق المقرب لمنفذ الهجوم الإرهابى فى فيينا فى نوفمبر من العام قبل …

%d مدونون معجبون بهذه: