فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
أثار الخطاب المنسوب للرئيس الأمريكي Donald Trump بشأن ربط الاتفاق مع إيران بتوسيع ما يُعرف بـ Abraham Accords موجة واسعة من الجدل والغضب، ليس فقط بسبب مضمونه السياسي، بل بسبب اللغة التي استخدمت فيه، والتي اعتبرها كثيرون أقرب إلى “خطاب إملاءات” يصدر عن قوة ترى نفسها وصية على المنطقة وقادتها.
الخطاب جاء بنبرة حادة ومتعالية، تحدث فيها ترامب كما لو أنه يوزّع أدوارًا على دول المنطقة، واضعًا التطبيع مع إسرائيل كشرط شبه إلزامي لأي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية، بل ومقدمًا ذلك باعتباره “اختبارًا لحسن النية” والولاء السياسي.
لغة المنتصر… رغم تعقيدات الواقع
اللافت في الخطاب لم يكن فقط الدعوة لتوسيع اتفاقيات أبراهام، بل الطريقة التي صيغت بها الرسالة. فترامب استخدم لغة أقرب إلى الأوامر المباشرة، متحدثًا عن ضرورة توقيع الدول “فورًا”، ومشيرًا إلى أن من يرفض “لا ينبغي أن يكون جزءًا من الاتفاق”.
هذا النوع من الخطاب أعاد إلى الأذهان لحظات تاريخية تعاملت فيها قوى كبرى مع دول أخرى بمنطق الإخضاع والإملاء السياسي، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، حين فُرضت ترتيبات سياسية واقتصادية على الدول المهزومة وفق شروط المنتصرين.
لكن المفارقة هنا، بحسب مراقبين، أن ترامب يتحدث وكأنه يفرض شروط نصر عسكري وسياسي ساحق، بينما الواقع الإقليمي أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل التوترات المتصاعدة مع إيران، وحالة الاستنزاف التي تعيشها واشنطن في أكثر من ملف دولي.
التطبيع كمعيار للولاء
الخطاب كشف أيضًا عن تحول مهم في الرؤية الأمريكية تجاه المنطقة، حيث لم يعد التطبيع يُقدَّم باعتباره خيارًا سياديًا لكل دولة، بل كأنه جزء من منظومة الولاء السياسي والتحالف الإقليمي الذي تريده واشنطن.
فوفق الرسالة، فإن الانخراط في “التحالف الجديد” بات مرتبطًا بمدى استعداد الدول للالتحاق باتفاقيات أبراهام، وكأن القبول بهذه الاتفاقيات أصبح بمثابة شهادة حسن سلوك سياسي تمنحها الإدارة الأمريكية.
ويرى محللون أن هذه المقاربة تعكس ذهنية إمبراطورية تقليدية، تعتبر أن النفوذ الأمريكي يمنح واشنطن الحق في إعادة تشكيل خرائط التحالفات والخصومات وفق مصالحها، دون اكتراث حقيقي بحساسيات الشعوب أو تعقيدات التوازنات الداخلية في المنطقة.
إيران… الحاضر الغائب
ورغم أن الخطاب تمحور ظاهريًا حول اتفاق محتمل مع إيران، فإن الرسالة حملت في طياتها اعترافًا غير مباشر بحجم التأثير الإيراني في المعادلة الإقليمية.
فمجرد طرح فكرة انضمام إيران مستقبلًا إلى اتفاقيات أبراهام يكشف حجم التحول الذي تسعى واشنطن إلى هندسته، لكنه في الوقت ذاته يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن أي ترتيبات كبرى في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتجاوز طهران أو تتجاهل حضورها السياسي والعسكري.
كما أن حديث ترامب عن “العودة إلى ساحة المعركة بشكل أكبر وأقوى” إذا فشلت المفاوضات، أعاد التذكير بسياسة التهديد والضغط القصوى التي اتبعها خلال ولايته السابقة، وهي السياسة التي لم تنجح في إخضاع إيران أو تغيير سلوكها الاستراتيجي بشكل حاسم.
أين السيادة السياسية؟
أكثر ما أثار الجدل في الخطاب هو الطريقة التي خوطب بها قادة المنطقة، إذ بدا وكأن ترامب يتحدث إلى أطراف تابعة مطالبة بإثبات ولائها السياسي، لا إلى دول يفترض أنها تملك سيادة وقرارًا مستقلًا.
وفي العالم العربي تحديدًا، أعادت هذه اللغة طرح أسئلة قديمة حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها في المنطقة، وحدود الاستقلال السياسي الحقيقي لدى بعض الأنظمة التي ترتبط بتحالفات أمنية واستراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة.
ويرى منتقدون أن المشكلة لا تكمن فقط في “لغة ترامب”، بل في البيئة السياسية التي تسمح لمسؤول أمريكي بأن يخاطب المنطقة بهذا القدر من الفوقية دون أن يواجه ردودًا حازمة أو مواقف سياسية واضحة تحفظ الحد الأدنى من الندية والسيادة.
الشرق الأوسط بين الهيمنة وإعادة التشكل
خطاب ترامب الأخير لا يمكن قراءته كتصريح عابر أو مجرد دعاية انتخابية، بل يعكس رؤية أوسع لما تريده بعض دوائر النفوذ الأمريكية للشرق الأوسط: منطقة موحدة أمنيًا تحت المظلة الأمريكية، يكون التطبيع فيها جزءًا من البنية السياسية الجديدة، بينما تُدار الخلافات الكبرى وفق قواعد تضعها واشنطن.
لكن التاريخ يُظهر أن فرض الترتيبات السياسية بالقوة أو بمنطق الإملاء غالبًا ما ينتج استقرارًا هشًا ومؤقتًا، وأن الشعوب قد تصمت أحيانًا، لكنها لا تنسى بسهولة لحظات الإذلال السياسي أو محاولات مصادرة إرادتها.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تستطيع واشنطن بالفعل فرض “شرق أوسط جديد” عبر لغة التهديد والاشتراط، أم أن المنطقة دخلت مرحلة باتت فيها موازين القوة أكثر تعقيدًا من أن تُحسم بخطاب متعالٍ مهما بلغت قوته؟
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار