الإثنين , 25 مايو 2026

لماذا يحتفي الإعلام بالمثيرين للجدل ويتجاهل العلماء؟

بين صناعة “الترند” وتهميش النماذج الملهمة في العالم العربي

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

في زمن أصبحت فيه الشاشات ومنصات الإعلام قادرة على تشكيل وعي المجتمعات وتوجيه اهتمامات الناس، يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: لماذا تتصدر الشخصيات المثيرة للجدل المشهد الإعلامي، بينما يتم تجاهل العلماء وأصحاب الإنجازات الحقيقية الذين يقدمون للبشرية علمًا واختراعات وخدمات تنقذ الأرواح وتبني المستقبل؟

هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة بعد تداول مقارنة واسعة بين الدكتورة وداد بنت سعيد القحطاني، الباحثة والعالمة المتخصصة في مجال النانوتكنولوجي والمواد المتقدمة، وبين الإعلامية والسياسية المصرية فريدة الشوباشي، في نقاش أثار جدلًا واسعًا حول أولويات الإعلام العربي وطبيعة النماذج التي يتم تقديمها للجمهور بشكل متكرر.

علماء في الظل رغم الإنجازات الكبرى

تُعد الدكتورة وداد القحطاني من الأسماء العلمية العربية البارزة في مجال الأبحاث الدقيقة المتعلقة بعلاج السرطان وتنقية المياه وتطوير المواد المتقدمة، كما تم تصنيفها ضمن أفضل 2% من علماء العالم وفق تصنيف صادر عن Stanford University، تقديرًا لإسهاماتها العلمية وتأثير أبحاثها في خدمة الإنسانية.

ورغم هذا الإنجاز العلمي الكبير، يتساءل كثيرون: كم مرة استضافتها الفضائيات العربية؟ وكم برنامجًا سلط الضوء على قصتها وتجربتها العلمية؟ وكم شابًا عربيًا يعرف اسمها مقارنة بأسماء شخصيات تتكرر يوميًا على الشاشات دون أن تقدم إنجازًا علميًا أو معرفيًا حقيقيًا؟

ويرى مراقبون أن هذه الفجوة تكشف أزمة عميقة في طبيعة المحتوى الإعلامي السائد، حيث يتم التركيز غالبًا على الجدل والصدام والإثارة، بينما يتم تهميش النماذج العلمية والثقافية التي يمكن أن تلهم الأجيال الجديدة.

الإعلام ومنطق “الترند”

خبراء إعلام يؤكدون أن جزءًا كبيرًا من المؤسسات الإعلامية بات يتحرك وفق منطق “المشاهدة والترند”، لا وفق معيار القيمة أو الفائدة المجتمعية. فالشخصيات المثيرة للجدل تحقق نسب مشاهدة أعلى، وتخلق حالة مستمرة من الاستقطاب، وهو ما يدفع بعض القنوات والمنصات إلى تكرار استضافتها بشكل دائم.

وفي المقابل، لا تحظى الشخصيات العلمية بنفس المساحة، لأن الخطاب العلمي الجاد غالبًا لا يحقق الضجة السريعة نفسها، رغم أهميته الحقيقية للمجتمع.

هذه المعادلة، بحسب مختصين، ساهمت في خلق اختلال واضح في صورة “القدوة” داخل المجتمعات العربية، حيث أصبح بعض الشباب يعرفون أسماء مشاهير الجدل أكثر من معرفتهم بالعلماء والباحثين والمبدعين الحقيقيين.

جدل الهوية والقيم

الجدل لم يكن مرتبطًا فقط بالمقارنة بين شخصيتين، بل امتد إلى نقاش أوسع حول الهوية الثقافية والفكرية في المجتمعات العربية، ودور الإعلام في تقديم أنماط معينة من الخطاب الفكري والاجتماعي.

فبينما يرى تيار محافظ أن بعض المنصات الإعلامية تروّج لأفكار يعتبرها بعيدة عن القيم الدينية والاجتماعية التقليدية، يرى آخرون أن الإعلام يجب أن يظل مساحة مفتوحة للتعددية والاختلاف الفكري.

لكن رغم هذا الخلاف، يتفق كثيرون على نقطة أساسية: أن العلماء والمبدعين الحقيقيين يستحقون حضورًا أكبر بكثير مما يحصلون عليه حاليًا في الإعلام العربي.

أزمة أولويات لا أزمة أشخاص

المشكلة، وفق مراقبين، لا تتعلق بشخص بعينه أو اتجاه فكري محدد، بل بأولويات إعلامية كاملة أصبحت تميل إلى الإثارة السريعة على حساب المعرفة والإنجاز الحقيقي.

فحين يغيب العلماء عن الشاشات، وتُهمّش قصص النجاح العلمي، بينما تتكرر الشخصيات الجدلية يوميًا، فإن النتيجة الطبيعية هي تراجع حضور العلم والثقافة الجادة في الوعي العام، مقابل صعود محتوى يقوم على الصدام والانقسام.

ويؤكد باحثون في الإعلام أن المجتمعات التي تريد بناء مستقبل قوي تحتاج إلى إعادة الاعتبار للعلم والعلماء، وتقديم النماذج الملهمة للشباب، بدلًا من تحويل الساحة الإعلامية إلى مساحة دائمة للجدل والاستقطاب.

من يصنع وعي الأجيال القادمة؟

السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا يتم تجاهل العلماء؟ بل أيضًا: أي نوع من النماذج نريد أن يراها أبناؤنا كل يوم على الشاشات؟

هل نريد أن يكبر الجيل الجديد وهو يرى الباحث والطبيب والمخترع نموذجًا للنجاح؟ أم أن الشهرة ستظل مرتبطة فقط بالجدل والصوت المرتفع والمعارك الإعلامية؟

ربما تكون هذه القضية واحدة من أهم معارك الوعي في العالم العربي اليوم، لأن الأمم لا تُبنى فقط بالاقتصاد والسياسة، بل أيضًا بالنماذج التي تختار أن تضعها في واجهة المشهد.

🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

“الرأي مش جريمة”.. مأساة عبد المنعم أبو الفتوح تعيد فتح ملف كبار السن في السجون المصرية

أعاد النداء المؤثر الذي أطلقته ابنة السياسي المصري عبد المنعم أبو الفتوح تسليط الضوء على ملف المعتقلين السياسيين كبار السن في مصر، بعدما طالبت بالإفراج عن والدها البالغ من العمر 75 عامًا

error: Content is protected !!