شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
في تاريخ الدول تبقى بعض الملفات عصية على النسيان مهما مر عليها الزمن، لأنها لا ترتبط فقط بأشخاص أو أحداث عابرة، بل تمس طبيعة السلطة وحدود نفوذ الأجهزة الأمنية وعلاقتها بالمجتمع. ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ المصري الحديث قضية ما عُرف بـ«انحراف المخابرات» التي انفجرت بعد هزيمة يونيو 1967، وكشفت جانباً مظلماً من الصراع الخفي داخل أروقة الدولة المصرية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
بداية القصة
عقب النكسة التي هزت مصر والعالم العربي عام 1967، بدأت الدولة مراجعة شاملة لأداء مؤسساتها المختلفة، وكان جهاز المخابرات العامة من بين المؤسسات التي طالتها التحقيقات. وخلال المحاكمات العسكرية التي عُقدت عام 1968 برزت اتهامات خطيرة ضد رئيس المخابرات الأسبق صلاح نصر وعدد من مساعديه تتعلق باستغلال النفوذ وممارسة أنشطة تجاوزت المهام الأمنية التقليدية.
ظهرت للمرة الأولى أمام الرأي العام المصري روايات عن وحدة سرية داخل الجهاز عُرفت باسم «الكنترول»، قيل إنها كانت تعتمد على المراقبة والتسجيل والتصوير السري بهدف السيطرة على بعض الشخصيات العامة أو تجنيدها لخدمة أهداف أمنية وسياسية.
الفن في دائرة الاستهداف
ارتبط اسم الفنانة الراحلة سعاد حسني بهذا الملف أكثر من أي شخصية أخرى. وتحدثت روايات وشهادات متعددة على مدار عقود عن تعرضها لعملية استدراج وتصوير سري بهدف الضغط عليها للتعاون مع الجهاز. ورغم استمرار الجدل حول بعض التفاصيل، فإن اسم سعاد حسني ظل حاضراً بقوة كلما أُعيد فتح هذا الملف، خصوصاً بعد وفاتها الغامضة في لندن عام 2001.
أما المنتجة السينمائية اعتماد خورشيد فقد كانت أول من خرج إلى العلن بشهادات تفصيلية تتهم صلاح نصر بإدارة شبكة واسعة من عمليات السيطرة والابتزاز. وفي كتبها ومقابلاتها التلفزيونية أكدت أن بعض دوائر الفن والسينما استُخدمت للوصول إلى فتيات ووجوه جديدة بهدف إخضاعهن أو تجنيدهن.
كما ورد اسم الفنانة برلنتي عبد الحميد في سياق مختلف، بعد زواجها من المشير عبد الحكيم عامر، حيث تحدثت روايات عديدة عن تعرضها لمراقبة أمنية مكثفة نتيجة حساسية موقع زوجها ودوره داخل الدولة.
فنانات رفضن ودفعن الثمن
على الجانب الآخر، ارتبطت القضية بأسماء فنانات قيل إنهن رفضن الخضوع للضغوط الأمنية أو التعاون مع الأجهزة المختلفة.
وتبرز هنا الفنانة لبنى عبد العزيز التي غادرت مصر خلال تلك الفترة واستقرت في الولايات المتحدة سنوات طويلة، وكذلك سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة التي تعرضت وفق روايات متداولة لضغوط ومضايقات دفعتها إلى مغادرة مصر والإقامة خارجها حتى مطلع السبعينيات.
ورغم اختلاف الروايات حول حجم تلك الضغوط وطبيعتها، فإن هذه الأسماء أصبحت جزءاً من السردية التاريخية المرتبطة بقضية انحراف المخابرات.
السؤال الذي لم يمت
بعد أكثر من نصف قرن على تلك الأحداث لا يزال السؤال نفسه يتكرر: هل كان جمال عبد الناصر يعلم بما يجري داخل جهاز المخابرات؟
الحقيقة أن الوثائق المتاحة حتى اليوم لا تقدم دليلاً مباشراً أو قاطعاً يثبت أن عبد الناصر أصدر أوامر بهذه الممارسات أو أشرف عليها بشكل شخصي. لكن غياب الدليل لم ينه الجدل، بل فتح الباب أمام ثلاث قراءات مختلفة للتاريخ.
الرأي الأول: كان يعلم
أنصار هذا الاتجاه يرون أن صلاح نصر كان أحد أكثر رجال عبد الناصر قرباً وثقة، وأن جهاز المخابرات كان يتبع مؤسسة الرئاسة مباشرة، ولذلك يصعب تصور استمرار أنشطة بهذا الحجم لسنوات طويلة دون علم القيادة السياسية.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى المنطق السياسي أكثر من اعتمادهم على وثائق منشورة أو أدلة مباشرة.
الرأي الثاني: لم يكن يعلم التفاصيل
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن صلاح نصر نجح في بناء دائرة نفوذ واسعة داخل الجهاز، وأن بعض الأنشطة كانت تُدار بعيداً عن الرقابة المباشرة للرئيس.
ويستند هذا الرأي إلى ما ظهر خلال محاكمات عام 1968 من اتهامات تتعلق بتجاوز الجهاز لاختصاصاته القانونية والأمنية.
الرأي الثالث: كان يعلم بوجود تجاوزات دون معرفة حجمها
ويُعد هذا الرأي الأكثر انتشاراً بين عدد من الباحثين المعاصرين. فبحسب هذا التصور ربما كان عبد الناصر يدرك أن بعض الأجهزة الأمنية تمتلك صلاحيات واسعة وأن هناك تجاوزات تحدث داخلها، لكنه لم يكن مطلعاً على كل تفاصيل عمليات التصوير السري أو الابتزاز الجنسي التي كُشف عنها لاحقاً أثناء التحقيقات.
نهاية الإمبراطورية
بعد هزيمة يونيو 1967 تفجرت الأزمة بالكامل. تم عزل صلاح نصر من منصبه، وأُحيل إلى المحاكمة العسكرية مع عدد من مساعديه، وصدر الحكم بسجنه. كما تم تفكيك الوحدات المرتبطة بالقضية وإتلاف كميات كبيرة من الملفات والتسجيلات التي اعتُبرت جزءاً من ملف الانحراف.
لكن رغم الأحكام والمحاكمات، لم تنتهِ الأسئلة. بل بقيت القضية حاضرة في الذاكرة المصرية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا التي تكشف خطورة غياب الرقابة على الأجهزة الأمنية عندما تتحول من حماية الدولة إلى التدخل في حياة الأفراد.
الخلاصة
بعد مرور عشرات السنين لا يزال ملف صلاح نصر وقضية الكنترول الجنسي مفتوحاً أمام الباحثين والمؤرخين. وبين من يرى أن عبد الناصر كان يعلم، ومن يعتقد أنه لم يكن يعلم، ومن يعتقد أنه كان على علم بوجود تجاوزات دون معرفة تفاصيلها، تبقى الحقيقة الكاملة غائبة خلف ملفات لم يُكشف عنها بالكامل حتى الآن.
ويبقى السؤال معلقاً في ذاكرة المصريين: هل كان ما حدث مجرد انحراف فردي داخل جهاز قوي، أم أنه كان انعكاساً لمرحلة كاملة من تاريخ الدولة المصرية ما زالت أسرارها الحقيقية حبيسة الأدراج؟
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار