شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
يُعد كتاب «في أيدي العسكر: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط» للصحفي الأمريكي ديفيد د. كيركباتريك، أحد أهم الكتب التي تناولت التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها مصر منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 وحتى السنوات التي أعقبت انقلاب الثالث من يوليو 2013. فالكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع والأحداث، بل يقدم شهادة صحفية موثقة من قلب المشهد المصري، كتبها مراسل ومدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة والشرق الأوسط، الذي عايش الأحداث لحظة بلحظة، والتقى بأبرز صناع القرار والفاعلين السياسيين خلال تلك المرحلة المضطربة.
شهادة من قلب العاصفة
يرصد كيركباتريك تفاصيل السنوات التي غيرت وجه مصر والمنطقة العربية، بداية من الأيام الأخيرة لنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، مروراً بثورة يناير وسقوط النظام، ثم المرحلة الانتقالية التي أدارها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وصولاً إلى صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، وانتهاءً بإطاحة الرئيس الراحل محمد مرسي وعودة المؤسسة العسكرية إلى صدارة المشهد السياسي.
ويتميز الكتاب بأنه لا يقدم رواية نظرية أو تحليلاً من بعيد، بل يعتمد على مشاهدات ميدانية ووثائق ومقابلات مباشرة مع شخصيات لعبت أدواراً محورية في صناعة الأحداث، مما يمنحه قيمة توثيقية كبيرة لفهم تلك المرحلة المفصلية من تاريخ مصر الحديث.
مصر بين الثورة والدولة العميقة
يبدأ المؤلف برسم صورة دقيقة للأوضاع التي سبقت ثورة يناير، حيث يتناول انتشار الفساد السياسي والاقتصادي، وتراجع الحريات العامة، وهيمنة الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية، وهي الظروف التي مهدت لانفجار الغضب الشعبي في يناير 2011.
ويصف الكاتب كيف نجحت الثورة في إسقاط رأس النظام، لكنها لم تتمكن من تفكيك البنية العميقة التي حكمت مصر لعقود طويلة. فبينما كان الثوار يحتفلون بسقوط مبارك في ميدان التحرير، كانت مؤسسات الدولة التقليدية تعيد ترتيب أوراقها للحفاظ على نفوذها ومصالحها.
المجلس العسكري وإدارة المرحلة الانتقالية
يفرد الكتاب مساحة واسعة لتحليل أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد تنحي مبارك، ويطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي لعبه الجيش خلال المرحلة الانتقالية.
ويشير المؤلف إلى أن المؤسسة العسكرية نجحت في كسب ثقة قطاعات واسعة من المصريين والثوار في البداية، لكنها سرعان ما تحولت إلى اللاعب الأقوى في المشهد السياسي، مستفيدة من حالة الانقسام بين القوى المدنية والسياسية.
كما يتناول الكتاب عدداً من الأحداث المثيرة للجدل التي شهدتها تلك المرحلة، مثل أحداث ماسبيرو، ومحاكمات المدنيين أمام القضاء العسكري، وقضية كشوف العذرية، وغيرها من الوقائع التي أثارت انتقادات واسعة للمجلس العسكري آنذاك.
صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة
يرى كيركباتريك أن الانتخابات الرئاسية التي أوصلت محمد مرسي إلى الحكم مثلت أول تجربة ديمقراطية حقيقية في تاريخ مصر الحديث، لكنها واجهت تحديات هائلة منذ اليوم الأول.
ويشرح الكتاب كيف اصطدمت الرئاسة الجديدة بمؤسسات الدولة القديمة، وفي مقدمتها القضاء والأجهزة الأمنية والإدارية، إضافة إلى الانقسامات السياسية الحادة بين القوى المدنية والإسلامية.
كما يتناول المؤلف العلاقة المعقدة بين الرئيس محمد مرسي والمؤسسة العسكرية، مشيراً إلى أن مرسي حاول تجنب الصدام المباشر مع الجيش وسعى إلى بناء علاقة تعاون معه، لكنه وجد نفسه في النهاية أمام مؤسسة تمتلك نفوذاً يتجاوز حدود السلطة التنفيذية التقليدية.
الدور الأمريكي خلف الكواليس
من أهم ما يميز الكتاب تركيزه على الموقف الأمريكي من الثورة المصرية وتداعياتها. فقد اعتمد المؤلف على لقاءات ومصادر داخل الإدارة الأمريكية، ليكشف جانباً من النقاشات التي دارت داخل البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون حول مستقبل مصر.
ويستعرض الكتاب كيف تعاملت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مع الأحداث المتسارعة، بدءاً من سقوط مبارك، مروراً بفوز الإخوان المسلمين في الانتخابات، ووصولاً إلى الإطاحة بمرسي.
ويكشف المؤلف أن الإدارة الأمريكية كانت منقسمة بشأن كيفية التعامل مع التحولات المصرية، وأنها فضلت في نهاية المطاف عدم وصف ما جرى في الثالث من يوليو 2013 بأنه انقلاب عسكري، رغم الجدل الواسع الذي صاحب ذلك القرار.
الطريق إلى الثالث من يوليو
يخصص كيركباتريك فصولاً كاملة لرصد الاحتجاجات التي سبقت عزل الرئيس محمد مرسي، والدور الذي لعبته القوى المعارضة وتحالفات الدولة القديمة في تعبئة الشارع ضد حكم الإخوان المسلمين.
كما يناقش الكتاب موقف المؤسسة العسكرية بقيادة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، وكيف تطورت الأحداث وصولاً إلى إعلان عزل مرسي وتجميد العمل بالدستور وتشكيل سلطة انتقالية جديدة.
ويعتبر المؤلف أن ما حدث في الثالث من يوليو 2013 شكّل نقطة تحول تاريخية أنهت تجربة الانتقال الديمقراطي القصيرة وأعادت السلطة الفعلية إلى المؤسسة العسكرية التي حكمت مصر لعقود طويلة.
وثيقة لفهم مصر الحديثة
لا يقتصر كتاب «في أيدي العسكر» على كونه رواية للأحداث، بل يمثل محاولة لفهم طبيعة العلاقة المعقدة بين الجيش والسياسة والمجتمع في مصر الحديثة، وكيف تمكنت مؤسسات الدولة العميقة من استعادة زمام المبادرة بعد الثورة.
كما يسلط الضوء على الأدوار التي لعبتها القوى المحلية والإقليمية والدولية في تشكيل المشهد المصري خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ البلاد.
الخلاصة
يظل كتاب «في أيدي العسكر» واحداً من أهم الكتب التي تناولت الثورة المصرية وما تلاها، ليس لأنه يقدم الحقيقة المطلقة، بل لأنه يضع بين أيدي القارئ كماً هائلاً من الوقائع والشهادات والتفاصيل التي تساعد على فهم ما جرى خلف الكواليس.
وبعد أكثر من عقد على ثورة يناير، يبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب قائماً: هل كانت الثورة فرصة تاريخية ضائعة لبناء نظام ديمقراطي جديد، أم أن موازين القوى داخل الدولة المصرية كانت أقوى من أن تسمح بحدوث تحول جذري في بنية الحكم؟
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار