الخميس , 18 يونيو 2026

أزمة صامتة تهز النظام الصحي النمساوي.. ثلث أطباء التأمين يرفضون استقبال مرضى جدد وثلثا أطباء الجلد والنساء أغلقوا أبوابهم

شبكة رمضان الإخبارية – فيينا

كشفت دراسة نمساوية حديثة عن أزمة متفاقمة داخل نظام الرعاية الصحية العامة، بعدما أظهرت أن الحصول على موعد لدى طبيب متعاقد مع التأمين الصحي (Kassenarzt) أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، مع توقف أعداد كبيرة من العيادات عن استقبال مرضى جدد بسبب الضغط المتزايد ونقص الكوادر الطبية.

وتسلط نتائج الدراسة الضوء على مشكلة هيكلية متنامية قد تدفع المزيد من المرضى إلى اللجوء للقطاع الصحي الخاص وتحمل تكاليف إضافية للحصول على العلاج، في وقت تواجه فيه النمسا تحديات متزايدة نتيجة شيخوخة السكان وارتفاع الطلب على الخدمات الطبية.

ثلث العيادات مغلق أمام المرضى الجدد

وبحسب الدراسة التي أجراها موقع “krankenversichern.at”، فإن نحو 31.8% من عيادات أطباء التأمين الصحي في النمسا لم تعد تستقبل مرضى جدداً.

واعتمدت الدراسة على استطلاع شمل 1112 عيادة طبية متعاقدة مع التأمين الصحي في مختلف الولايات النمساوية والتخصصات الطبية، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 18 مايو و5 يونيو 2026.

وتعني هذه النتيجة أن مريضاً جديداً يبحث عن طبيب متخصص يواجه احتمالاً يقارب الثلث بأن يجد باب العيادة مغلقاً أمامه منذ البداية.

أطباء الجلد والنساء في صدارة الأزمة

وأظهرت النتائج أن التخصصات الأكثر تضرراً هي الأمراض الجلدية وأمراض النساء والولادة.

فقد تبين أن 65.9% من عيادات أطباء الجلدية لا تستقبل مرضى جدداً، فيما بلغت النسبة لدى أطباء النساء 65.2%.

وبعبارة أخرى، فإن اثنتين من كل ثلاث عيادات في هذين التخصصين ترفضان حالياً تسجيل مرضى جدد، ما يجعل الحصول على موعد للفحوصات الوقائية أو العلاجية أمراً بالغ الصعوبة.

أما في تخصصات الأنف والأذن والحنجرة، فقد بلغت نسبة العيادات المغلقة أمام المرضى الجدد 36.9%، تلتها الطب النفسي بنسبة 33.3%، ثم جراحة العظام بنسبة 32.4%.

حتى أطباء الأسرة تحت الضغط

ورغم أن أطباء الأسرة ما زالوا يمثلون الخيار الأسهل نسبياً للمرضى، إلا أن الدراسة أظهرت أن أكثر من ثلث عيادات الطب العام، بنسبة 36.7%، لا تستقبل مرضى جدداً أيضاً.

ويشير ذلك إلى أن المشكلة لم تعد مقتصرة على تخصصات معينة، بل أصبحت تمتد إلى مختلف مستويات الرعاية الصحية الأولية والمتخصصة.

وفي المقابل، سجل أطباء الأشعة أفضل نسبة من حيث القدرة على استقبال مرضى جدد، حيث بلغت نسبة العيادات المغلقة 14.9% فقط، يليهم أطباء الأعصاب بنسبة 23.9%، ثم أطباء الأطفال وأطباء الأمراض الرئوية بنسبة 25.3%.

لماذا ترفض العيادات استقبال المرضى؟

خلافاً لما قد يعتقده البعض، تؤكد الدراسة أن السبب لا يعود إلى عدم رغبة الأطباء في العمل، بل إلى الضغط المتزايد الذي تعاني منه العيادات.

فالكثير من الأطباء يضعون سقفاً لعدد المرضى الذين يمكنهم متابعتهم حفاظاً على جودة الرعاية الطبية، إذ إن استقبال أعداد تفوق القدرة الاستيعابية للعيادة قد يؤدي إلى تراجع مستوى الخدمة وإطالة فترات الانتظار بشكل أكبر.

كما أن التغيرات الديموغرافية تلعب دوراً محورياً في الأزمة، حيث تزداد أعداد كبار السن الذين يحتاجون إلى رعاية طبية مستمرة ومعقدة، الأمر الذي يستهلك وقتاً أطول داخل العيادات مقارنة بالماضي.

الطلب يرتفع والعرض يتراجع

وتشير الدراسة إلى أن النظام الصحي النمساوي يواجه معادلة صعبة تتمثل في ارتفاع الطلب على الخدمات الطبية بالتزامن مع تراجع عدد الأطباء العاملين ضمن نظام التأمين الصحي.

فالكثير من الوظائف الطبية الشاغرة لا تجد من يشغلها، فيما يفضل عدد متزايد من الأطباء الانتقال إلى نظام العيادات الخاصة (Wahlarzt)، الذي يمنحهم مرونة أكبر ودخلاً أعلى وضغطاً إدارياً أقل.

ويؤدي ذلك إلى تقلص عدد عيادات التأمين الصحي القادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.

المرضى هم الخاسر الأكبر

ويقول سيباستيان أرتوفر، المدير التنفيذي للعمليات في موقع “krankenversichern.at”، إن المشكلة لم تعد حالات فردية أو استثناءات، بل أصبحت أزمة هيكلية حقيقية.

وأضاف أن المرضى يواجهون اليوم واقعاً جديداً يتمثل في الانتظار لفترات أطول، والسفر لمسافات أبعد للحصول على موعد طبي، أو اللجوء إلى الأطباء الخاصين ودفع تكاليف إضافية للحصول على الرعاية الصحية المطلوبة.

وأكد أن الهدف من الدراسة هو تنبيه المواطنين إلى الواقع الحالي للنظام الصحي، ومساعدتهم على فهم الخيارات المتاحة أمامهم.

جرس إنذار للقطاع الصحي

ويرى خبراء الصحة أن نتائج الدراسة تمثل جرس إنذار واضحاً للحكومة وصناع القرار، خاصة أن استمرار النقص في أطباء التأمين الصحي قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين المرضى القادرين على تحمل تكاليف العلاج الخاص وبين أولئك الذين يعتمدون بشكل كامل على نظام التأمين الصحي العام.

وفي ظل تزايد أعداد السكان وارتفاع متوسط العمر المتوقع، تبدو الحاجة ملحة لإصلاحات عاجلة تشمل زيادة عدد الأطباء المتعاقدين مع التأمين الصحي، وتحسين ظروف العمل داخل العيادات، وتسريع إجراءات شغل الوظائف الشاغرة، لضمان استمرار النظام الصحي النمساوي في تقديم خدماته بالمستوى الذي اشتهر به لعقود طويلة.

🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

من عربة صغيرة إلى أسطورة نيويورك.. كيف جعل مهاجر مصري آلاف الأميركيين ينتظرون ساعتين من أجل «طبق حلال»؟

شبكة رمضان الإخبارية – فيينا قصة نجاح مصرية في قلب المدينة التي لا تنام في …

error: Content is protected !!